|
نبذة مُختصرة عن شرقاوي:
اسمه بالكامل "احمد زكى عبد الرحمن"، من مواليد مدينه الزقازيق عام 1949 بعد وفاه والده وزواج والدته تربى "احمد زكى" في رعاية جده.
دخل المدرسة الصناعية حيث شجعه الناظر على التمثيل المسرحي، التحق بعدها بمعهد الفنون المسرحية ثم تخرج عام 1973 وكان الأول على دفعته. لمَعَ اسمه في المسرح والسينما وتألق أيضاً الفنان الأسمر في التليفزيون، حصل "احمد زكى" على العديد من الجوائز على مدار مشواره الطويل مع الفن. تزوج من الممثلة الراحلة "هاله فؤاد" وله منها ابنه الوحيد "هيثم". فنان مجتهد جداً، يهتم كثيراً بالكيف على حساب الكم، يلفت الأنظار مع كل دور جديد يقدمه، وأعماله تشهد له بذلك، كان طريقه صعب، ومليء بالإحباطات والنجاحات حتى يصل الى ما وصل إليه من شهرة واحترام جماهيري منقطع النظير، جعله يتربع على قمة النجومية، أحمد زكي (شرقاوي).
حياته الحقيقية
مات والده وهو في عامه الأول، وتزوجت والدته بعد رحيل الوالد مباشرة، فتعلقت بأهداله كلمة يتيم، وتغلغلت في كل تفاصيل عينيه، فعاش في سكون مستمر، يتفرج على ما يدور حوله دون أن يشارك فيه. ولهذا أصبح التأمل مغروساً في وجدانه بعمق، حتى أصبح خاصية تلازمه في كل أطوار حياته. وعندما أراد أحمد زكي أن يهرب من وحدته بأية طريقة، بل أراد أن يهرب من حزن عينيه حين كره كلمة يتيم، كان يهرب الى بيوت الأصدقاء ليحاول أن يضحك، وكانت قدماه تتآكلان وهما تأكلان أرصفة الشوارع، حتى ظن الطفل الطري العود أنه كبر قبل الأوان. والذي ساهم في تكبير الطفل أكثر، هذا الصدام المتواصل بينه وبين العالم الخارجي، لم يضحك بما فيه الكفاية ولم يبكِ بما فيه الكفاية، ولكنّه صمتَ بما فيه الكفاية. وحين أراد أن يهرب الى الكلام، وجد في المسرح مُتَنَفَسَهُ، فالتحق بعالمه يوم كان يكمل دراسته الثانوية، ولحسن حظه بأن ناظر المدرسة كان يهوى التمثيل. أما أحمد زكي فصار في فترة وجيزة هاوياً للتمثيل والإخراج المسرحي على مستوى طلاب المدارس. وهذا معناه بأن أحمد زكي قد اكتشف الفن في أعماقه مبكراً، فكان رئيس فريق التمثيل في مدرسته الإبتدائية، ومدرسته الإعدادية، ثم مدرسة الزقازيق الثانوية، الى المعهد العالي للفنون المسرحية.
أحمد زكي يتحدث عن نفسه: جئت الى القاهرة وأنا في العشرين: المعهد، الطموح والمعاناة والوسط الفني وصعوبة التجانس معه، عندما تكون قد قضيت حياتك في الزقازيق مع أناس بسطاء بلا عقد عظمة ولا هستيريا شهرة. ثم الأفلام والوعود والآلام والأحلام، وفجأة، يوم عيد ميلادي الثلاثين، نظرت الى السنين التي مرت وقلت: أنا سُرِقت، نَشَلوا مني عشر سنين. عندما يكبرالواحد يتيماً تختلط الأشياء في نفسه،الإبتسامة بالحزن والحزن بالضحك والضحك بالدموع! أنا إنسان سريع البكاء،لا أبتسم، لا أمزح. صحيح آخذ كتاب ليلة القدر لمصطفى أمين، أقرأ فيه وأبكي، أدخل الى السينما وأجلس لأشاهد ميلودراما درجة ثالثة فأجد دموعي تسيل وأبكي، عندما أخرج من العرض وآخذ في تحليل الفيلم، قد أجده سخيفاً وأضحك من نفسي، لكني أمام المآسي أبكي بشكل غير طبيعي، أو ربما هذا هو الطبيعي، ومن لا يبكي هو في النهاية إنسان يحبس أحاسيسه ويكبتها ربما أنا مكتئب، أنزل الى أعماق اليأس، وتحت أعثر على أشعة ساطعة للأمل أن هذا كله يعود الى الطفولة اليتيمة، أيام كان هناك ولد يود أن يحنو عليه. لدي صديق ، عالم نفساني قد ساعدني كثيراً (في السنوات الأخيرة). في العاشرة كنت وكأنني في العشرين، في العشرين شعرت بأنني في الأربعين. عشت دائماً أكبر من سني، وفجأة ، يوم عيد ميلادي الثلاثين. أدركت أن طفولتي وشبابي نشلا. والدي توفي وأنا في السنة الأولى. أتى بي ولم يكن في الدنيا سوى هو وأنا، وهاهو يتركني ويموت.
أمي كانت فلاحة صبية ولا يجوز أن تظل عزباء فزوجوها وعاشت مع زوجها، وكبرت في بيوت العائلة بلا أخوة ورأيت أمي للمرة الأولى وأنا في السابعة، ذات يوم جاءت الى البيت إمرأة حزينة جداً، ورأيتها تنظر اليّ بعينين حزينتين ثم قبلتني دون أن تتكلم ورحلت. شعرت بإحتواء غريب. هذه النظرة الى الآن تصحبني حتى اليوم عندما تنظر اليّ أمي فالنظرة الحزينة ذاتها تنظر. في السابعة من عمري أدركت أنني لا أعرف كلمة أب وأم، والى اليوم عندما تمر في حوار مسلسل أو فيلم كلمة بابا أو ماما، أشعر بحرج ويستعصي عليّ نطق الكلمة. عندما كنت طالباً في مدرسة الزقازيق الثانوية، كنت منطويا جداً لكن الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة: تصرفات الناس، إبتساماتهم، سكوتهم من ركني المنزوي، كنت أراقب العالم وتراكمت في داخلي الأحاسيس وشعرت بحاجة لكي أصرخ، لكي أخرج ما في داخلي.
كان التمثيل هو المنفذ ففي داخلي دوامات من القلق لاتزال تلاحقني، فأصبح المسرح بيتي. رأيت الناس تهتم بي وتحيطني بالحب، فقررت أن هذا هو مجالي الطبيعي. بعد ذلك بفترة إشتركت في مهرجان المدارس الثانوية ونلت جائزة أفضل ممثل على مستوى مدارس الجمهورية. حينها سمعت أكثر من شخص يهمس: الولد ده إذا أتى القاهرة، يمكنه الدخول الى معهد التمثيل. والقاهرة بالنسبة اليّ الناحية الأخرى من العالم. السنوات الأولى في العاصمة، يالها من سنوات صعبة ومثيرة في الوقت ذاته. ثلاثة أرباع طاقتي كانت تهدر في تفكيري بكيف أتعامل مع الناس، والربع الباقي للفن. أصعب من العمل على الخشبة الساعات التي تقضيها في الكواليس. كم من مرة شعرت بأنني مقهور، صغير، معقد بعدم تمكني من التفاهم مع الناس. وسط غريب، الوسط الفني المصري، مشحون بالكثير من النفاق والخوف والقلق أشاهد الناس تسلم على بعضها بحرارة ، وأول ما يدير أحدهم ظهره تنهال عليه الشتائم ويقذف بالنميمة. مع الوقت والتجارب، أدركت أن الناس في النهاية ليست بيضاء وسوداء، إنما هناك المخطط والمنقط والمرقط والأخضر والأحمر والأصفر.. أشكال وألوان. اليوم علينا معالجة الإنسان، أنا لا أجيد الفلسفة ولا العلوم العويصة أنا رجل بسيط جداً لديه أحاسيس يريد التعبير عنها، لست رجل سياسي ولا غيره، أنا إنسان ممثل يبحث عن وسائل للتعبير عن الإنسان والسينما في بلادنا تظل تتطرق إليه بسطحية. هدفي هو إبن آدم، تشريحه، السير ورائه، ملاحقته، الكشف عما وراء الكلمات، ماهو خلف الحوار المباشر، الإنسان في هذا العصر يعيش وسط عواصف من الماديات الجنونية، الإنسان ومتناقضاته، أي إنسان، إذا حلل بعمق يشبهني ويشبهك ويشبه غيرنا، المعاناة هي واحدة، الطبقات والثقافات عناصر مهمة، لكن الجوهر واحد. الجنون موحد، حروب وأسلحة وألم وخوف ودمار، كتلة غربية وكتلة شرقية، العالم كله غارق في العنف نفسه والقلق ذاته. والإنسان هو المطحون. ليس هناك ثورة حقيقية في أي مكان من العالم، هناك غباء عام وإنسان مطحون. الشخصيات التي أديتها في السينما حزينة، ظريفة، محبطة، حالمة، متأملة، تعاطفت مع كل الأدوار، وأشعر بأني مجرد شخبطة لكن هذه الشخبطة تتحول لكائن عندما أمثل.
مريم صفوت
|