|
بيت السحيمي
هل سألت نفسك يوماً لماذا تهتم البشرية بحفظ تاريخها؟ وأياً كانت إجابتك هل توقفت لحظة وأنت تسير بقرب مبنى قديم وحاولت فهم ما يراودك من أحاسيس؟ في مدينتي، القاهرة؛ كثير من تلك الأبنية وبعض منها خاص جداً فلقد أمضيت فيه طفولتي وشبابي، ولكن البعض الآخر وإن كنت لم أعش فيه يوماً يملؤني بزخم من المشاعر وكأنه جزء لا يتجزأ من تاريخي الشخصي، ويتفوق عليهم جميعاً "بيت السحيمي". فهو أثبت لي أن البيوت تتنفس ومرآها ينقلك وأنت في الحاضر لتحيا لحظات في الماضي. نعم، أبنية مدينتك والأماكن التي عشت فيها تحفظ في داخلها الهواء الذي استنشقته، والكلمات التي نطقتها، وبعض منها يحفظ حياة أجدادك الذين رسموا لمجتمعك في الماضي خطواته لتؤثر عليك الآن في حاضرك!
بيت السحيمي نسيج جميل بقي من الماضي. وهو جميل لأنه مليء بتفاصيل كلها تكاد تبعث ثانية إلى الحياة الناس الذين كانوا يعيشون هنا. كأن الحياة لا تزال مخبوءة في التفاصيل.
أشعر بمدى إنسانية التفاصيل لأنها حاضرة في غرفه وقاعاته البالغ عددها 115 ولم تفقد غرفة واحدة خصوصيتها الفريدة وتكوينها الذي يؤهلها وحدها وليس غيرها للقيام بوظيفتها. الغرف الصغيرة والقاعات الكبيرة منها لقراءة القرآن ومنها للضيافة ومنها للمعيشة. النوافذ تستر النساء متى أردن وتتيح لهن الرؤية والاستماع بحسب مزاجهن. وتستوقفك أريحية غرف الجلوس التي صممت جدرانها للتعامل مع الحرارة بالظل والنبات والفسقية في بضعة أحيان والسقوف العالية في القاعات الصيفية والمنخفضة في الشتوية.
القاعات منها ما هو مجهز للسيدات فقط، ومنها ما هو مجهز للرجال، ومنها ما هو مخصص للضيوف "التختبوش". فيلعب موقعها دوراً ومنافذها دوراً آخر. وهناك قاعة لاستقبال الأم التي على وشك الولادة ملحق بها غرفة خاصة لاستقبال المولود الحديث الولادة لأنها معتمة خشية على الطفل المولود من الضوء الباهر، ومنافذها قليلة لتقي جسمه الرقيق من الحرارة أو البرودة.
وهناك (ثلاجة) لحفظ الأواني الفخارية المبردة للماء التي كان جدي وجدتي يستعملونها بالأمس القديم. والثلاجة المدروس تصميمها لتكون مصيدة لتيار الهواء البارد موضوعة بجوار غرفة الحمام. فالخروج من الحمام رحلة بها العديد من الوقفات، أولاً عند غرفة التدليك ثم غرفة أخرى ذات سقف أعلى ثم رواق لترطيب الحرارة تدريجياً لتصل إلى الثلاجة في النهاية وذلك حتى يرطب الماء البارد جوف المستحمين ليقيهم صدمة مقابلة أجسامهم الدافئة برودة جو الطريق!!
ثم قاعة الطعام التي يغطى جدرانها الخشب المزخرف لتكتشف أن ذلك لم يكن ترفاً بل الخشب يخفي وراءه أماكن حفظ الأواني. وهى مزودة بعلية صغيرة تخرج منها النساء إلى غرفهن بدون المرور على بقية الغرف إن لم يردن.
بيت السحيمي بيت بنى ليحمي من يعيش بداخله بمدخله المنحرف ليستر أهله، ودهليزه السري الذي يفضي إلى الحارة لينقذ أهله إن تعرضوا للهجوم. وجد ليحفظ أهله من المرض ويقدم لهم الطعام والشراب من ثمار حديقته وطاحونته والساقية الموجودة في فنائه. بيت أحب ساكنيه فقدم لهم في كل غرفة وجبة خاصة لكل شخص على حدا بحسب احتياجاته. نعم بيت السحيمي قدم الحب فحصد الحب حتى يومنا هذا.
البيت يقع في قلب منطقة الجمالية بحارة الدرب الأصفر المتفرعة من شارع المعز بحي الجمالية أقدم أحياء القاهرة، وبالقرب من باب الفتوح وباب النصر وسور القاهرة الفاطمي، وهي المنطقة التي قد نصفها بأنها منطقة هامة للجذب السياح، .بسبب قربها من الحسين وخان الخليلي.
وسُمي بيت السحيمي بهذا الاسم نسبة إلى آخر من سكن به، وهو الشيخ/ أمين السحيمي شيخ رواق الأتراك بالجامع الأزهر، والمتوفى في الثامن من إبريل 1928م.
وبعد وفاة الشيخ/ السحيمي اشترت الحكومة المصرية البيت بمبلغ (6000) جنيه مصري وسجلته كأثر إسلامي.
|