|
من يحصلون على فهم متزايد وعميق لأنفسهم، ولديهم أيضاً قبول متزايد لما يفهمونه ويكتشفونه في أنفسهم، يتمتعون بقدر متزايد من الصحة النفسية والروحية.
لا يعني هذا ببساطة أن كل ما علينا أن نفعله هو أن "نحب انفسنا أكثر" وينتهي الأمر. هذه توجه مبسط أكثر من اللازم. في أحيان كثيرة تكمن المشكلة في إننا إما نحب أنفسنا أقل من اللازم أو نحب أنفسنا أكثر من اللازم.
العنصران الذان يفتقر إليهما أغلبنا، هما عنصري الفهم والقبول. أي أن نفهم أنفسنا وأن نقبل ما نفهمه.
الفهم
الفهم لا يعني معرفة كل شيء فلا أحد يعرف كل شيء عن نفسه، ولكن المقصود هو الحصول على وعي متزايد بما يحدث في النفس من صراعات وما يجوب سماء الذهن من أفكار تلقائية و ما تجيش في النفس من مشاعر. هذا الوعي المتزايد يتيح الفرصة للتعبير، والتعبير بدوره يعمق الوعي و يجسده وهكذا ندخل في حلزون صاعد من النمو في معرفة النفس.
القبول
أيضاً القبول لا يعني الموافقة التامة على كل ما نجده في أنفسنا. أو عدم الرغبة في التغيير والنمو. القبول يعني ببساطة الاعتراف بالواقع والتعامل معه بنضج و بقدر متناقص من الدفاعية (أقول قدر متناقص من الدفاعية ولا أقول بلا دفاعية تماماً فوحده الله القادر أن يرى الحقيقة بلا قلق أو دفاع).
على سبيل المثال لكي يتعايش مريض السكر مع مرضه و يقي نفسه من مضاعفاته، عليه أن يقبل حقيقة إصابته بهذا المرض، ولا ينكره. فعندما يقبل مريض السكر حقيقة المرض، سوف يطيع الطبيب ويلتزم بالنظام الغذائي السليم ويتناول جرعات الإنسولين بانتظام. هذا بالطبع لا يعني الموافقة على مرض السكر أو الوقوع في غرامه! بحيث إذا تم مثلاً اكتشاف شفاء تام من مرض السكر فإن المريض سوف يرفضه! الفهم والقبول خطوتان تفتحان الباب إلى التعامل مع النفس بشكل ناضج دون إنكار للنفس ودون الانشغال الزائد بها.
ومما هو جدير بالذكر هنا أن هذين الموقفين المتطرفين في العلاقة بالنفس يؤديان إلى بعضهما البعض ويقويّان من بعضهما البعض. فإفراط البعض في الإنشغال بالنفس ينفر البعض الآخر من فكرة الوعي بالنفس ويعتبرها أنانية أو نرجسية والعكس صحيح فالإفراط في تجاهل الحقائق النفسية الداخلية يؤد ي بالبعض الآخر إلى الغرق في تحليل النفس والإنشغال بها عن الحياة والآخرين. قد يحدث هذان الموقفان أيضاً كمرحلتين متتاليتين في تاريخ حياة الإنسان الواحد.
هكذا دائماً هو الحال في الطبيعة الإنسانية بشكل عام في السياسة والدين والنظم الاجتماعية وغيرها، والتاريخ كثيراً ما يشهد بذلك.
|