اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

ثمة من يتوقع أن تحكم الصين العالم بحلول عام 2020. فهذا البلد الضخم بعدد سكانه الذي يقارب ملياراً وخمسمائة مليون نسمة، والشاسع بمساحته التي تقارب العشرة ملايين كليومتر مربع، يقفز قفزات اقتصادية هائلة، ويسجل وثبات تدهش الصينيين أنفسهم. لكن ما يشغل المهتمين بالصين ليس فقط هذه التطورات التي  تهدد بابتلاع العالم، وإنما تلك الذهنية الصينية التي تبدو للبعض ملغّزة وللبعض الآخر غريبة الأطوار. فكيف يفكر الصينيون؟ وما هي العقلية الجديدة التي يمكن أن تهيمن بعد ذبول النجم الأميركي المتوقع؟

التنين الصيني
التنين هذا الكائن الخرافي، الذي تعود جذور ولادته إلى أساطير قديمة جدا، ان كان يثير الرعب في الغرب، فهو لا يحمل الدلالات نفسها في الصين.
 انه يجسد روح الصين وفلسفتها ونظرتها إلى الحياة، وعليه فإن تفكيك رمزيته يساهم في فهم الذهنية الصينية التي تقوم على فلسفة الوئام وليس الخصام.
يعود تاريخ ولادة التنين الرمز إلى ولادة الصين نفسها، هذه الحضارة المعمّرة والأقدم في العالم التي لم تنقرض شأن الحضارة الفرعونية أو الفينيقية أو الرومانية وغيرها من الحضارات القديمة.
ويقول علماء الأنتروبولوجيا في الصين إنّ التنين هذا الكائن الخرافي ليس إلاّ عملية تسوية تاريخية توحيدية، قامت بها القبائل الصينية القديمة التي كان لكل منها طوطمها الخاص، فللبعض كانت الأفعى طوطمه أو السمكة أو السلحفاة أو الأيّل. ومن بين هذه القبائل خرج قائد كبير ووحّدها كلها تحت سلطانه، ولكنه لم يتخذ من طوطم قبيلته الخاص رمزا مفروضاً على سائر القبائل؛ ولم يترك، بالمقابل، للقبائل الأخرى حرية الاحتفاظ بطوطمها الخاص، فقام بعملية توحيد كل هذه الحيوانات الطوطمية في كائن خرافيّ افتراضي أخذ شكل التنين. ومن يتأمل رسومات التنين يدرك أن أعضاءه مأخوذة من عدة حيوانات. فالتنين الراهن له قرون غزال وجلد أفعى ومخالب نسر ...الخ. والتنين لا يرمز إلى الأمة الصينية فقط  وإنما إلى روحها ووحدتها القائمة على التعددية المتناغمة.
تسعى الصين حاليا إلى فصل سيرة حياة التنين الصيني عن التنانين الغربية الغريبة، والتي ترمز إلى الرذيلة بخلاف ما ترمز اليه التنانين الصينية.
فالتنين الغربي يرمز إلى الهيمنة والسيطرة والاقتحام، وعليه فإن تحرير التنين الصيني من معناه الغربيّ يعيده إلى طبيعته الصينية المسالمة الموحدة، التي تنشد التناغم.  
 
سياسة الجسور المتعرجة
الفكر الصيني لا يرضى أن ينحبس في وجهة نظر واحدة،  ثمة عدة أقاصيص وحكايات تظهر ليونة الفكر الصيني الشبيه بليونة حركات التنين ورهافة عضلاته  التي يمكن لها أن تتحرك في كلّ الاتجاهات، كما ان الفكر الصيني يعتمد اعتمادا كبيرا على التشبيهات والمجازات المائية لما تمتلكه الماء من خاصية مرنة، طيعة.  
يروي اندريه شيانغ قصة معبد صيني مبني وسط بحيرة اصطناعية كبيرة في بكين، مما يجعل أمر الوصول إليه مستحيلا إلا على متن زورق أو عن طريق عبور الجسور. ويشير الكاتب الصيني إلى حيرة السائح الغربي امام تركيبة الجسور فهي متعرجة كمجرى نهر، مع انه لا يوجد أي عائق طبيعي يفرض هذه التركيبة المتعرجة، أي ان الاعوجاج ليس وليد عائق جغرافي أو بسبب تضاريس قاهرة. إن الحيرة التي تصيب الغربي لا تصيب بالتأكيد الصيني المعتاد على أن ينظر إلى أي أمر من الأمور نظرات متعددة ومن زوايا مختلفة. يقول اندريه شيانغ شارحاً طبيعة الجسور المتعرجة: ان الجسر المستقيم ممكن جدا وتكاليف بنائه اقل بكثير ربما إلا انه يمنع الذاهب إلى المعبد من أن يتشبع بروح المكان وبالطبيعة المحيطة لان عينيه ستكونان حبيستي نظرة واحدة أو اتجاه واحد، في حين ان متعرجات الجسر تسمح للذاهب إلى المعبد بان يرى أكثر من مشهد أو يرى المشهد الواحد من زوايا متعددة فهو أي الجسر يمنع، من جهة، من السقوط في فخّ الرتابة، ويزود العين، من جهة أخرى، بالمقدرة على تقليب النظر في المشهد وتغيير مرآه.

خيانة ماركس
من هنا يرى بعض الماركسيين انحراف الصين عن الخط الماركسي إلا أن الصينيين يجيبون بان الذين يؤمنون بحرفية نص ماركس هم من ألد أعدائه وأكثرهم بعداً عن الماركسية لأنهم يقتلون أفكاره بتحجيرها. هذه الليونة في التعامل مع الفكر الماركسي هو الذي أنقذ الحزب الشيوعي في الصين من أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه الحزب في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية.
وتحجير النص أو المعنى أمر لا يخطر ببال صيني، وهذا ربما من أثر لغتهم على فكرهم. والمعروف أن الإنسان لا يمكن له أن يرى العالم  إلا من منظور لغته، أي لا بد من أن يتبنى وجهة نظر لغته بطريقة عفوية ولا واعية، لأننا نعيش، كما يقول العالم الألسني الفرنسي فندريس، تحت رحمة اللغة. 

السياق سيد الموقف
السياق وحده في اللغة الصينية هو الذي يحدد ما إذا كانت الكلمة تدلّ على مفرد أو جمع، كما أنه ليس في اللغة الصينية أدوات تنكير أو تعريف، فـ"ال" التعريف ليست من صلب اللغة الصينية والسياق وحده يشير إلى كون المقصود نكرة أو معرفة، كما أنه ليس في الصينية أيضا تصريف للأفعال، فالأفعال لا تصرف، لها شكل واحد بدلالات متعددة. والسياق وحده هو الذي يقوم بمهمة تحديد ما إذا كان الفعل يدل على الحاضر أو الماضي أو المضارع. لغة تتحرر فيها الكلمات من القيود اللغوية لا بد إلا أن تنعكس على نظرة الناطقين بها وعلى رؤيتهم للأشياء. إن العلاقات بين الكلمات هي التي تحدد معنى الكلمات، والبعض يشير إلى أن الصينيين هم الذين اخترعوا المغناطيس وذلك بسبب إدراكهم لوجود علاقات خفية بين الأشياء وهو ما يعرف بمصطلح "تْشِي" في اللغة الصينية. 

لا معاهدات بعد اليوم
ومن الأمور التي لا يستوعبها العقل الغربي عدم التزام الصينيين بالمعاهدات، ليس لأنهم لا يحبون الالتزام بالمعاهدات والمواثيق، ولكن لان المعاهدة ضد سنة الحياة المتغيرة.
وهم يؤمنون بالتغيرات والتحوّلات وبان كلّ شيء متغير، فكيف يلتزمون بمعاهدة بعد أن تتغير ظروف عقدها؟
أليس من الطبيعيّ أن تتبدل بنود المعاهدات بتبدل الظروف والسياقات عملاً بمفهوم التناغم والانسجام؟ .
والصينيّ يميل إلى حلّ النزاعات بالمفاوضات بدلاً من الصراعات والمواجهات. ولعلّ هذه الطرفة الواقعية تشير إلى نفورهم من المنافسات والحسم الصارخ لأنها قد تؤدي إلى إراقة ماء الوجه ( تْيُو مْيانْ تْزُهْ) وهذا ما لا تطيقه الذهنية الصينية. تقول الطرفة ان احد الجنرالات الصينيين في ثلاثينيات القرن الماضي دعي إلى مباراة كرة قدم، وهي لعبة لم تكن مألوفة بعد في الصين، وبعد عدة دقائق من بدء اللعب، دعا الجنرال احد معاونيه للاستفسار عن هذا النزاع المثير للسخرية حول كرة، متسائلاً لماذا لا تعطى لكل لاعب كرة ويفضّ هذا النزاع؟
والى الآن، فإنّ الألعاب التي يمهر فيها الصينيون هي الألعاب التي تعتمد على امتلاك تقنية وليس على مشادات تنافسية.

كل 3 أيام تفتتح معهدا جديدا لتعليم الصينية

* المواطن الصينيّ الذي يقوم بتعليم اللغة الصينية لأي أجنبي يحكم عليه بالموت، لأنّه يسهل على الغرباء الدخول إلى أسرار الصين. هذا ما كانت عليه الحال في الإمبراطورية الصينية القابعة خلف أسوارها الأسطورية، في القرن الثامن عشر، في عهد الإمبراطور شيان لونغ .

ولطالما كانت الكتابة التصويرية الصينية عامل حماية لها من ألاعيب الأغراب، إلا أن الأمر تغيّر اليوم، فالصين أنشأت "معهد كونفوشيوس" لتعليم اللغة الصينية للأجانب، وتقوم بنشر فروعه في أنحاء العالم. وأشارت الإحصاءات إلى انه ثمة حاجة حاليا إلى حوالي 10 آلاف معلم لغة صينية في العالم سنويا، ولكن الصين لا تقدر على إرسال أكثر من ألفي معلم، وهي تنشط في مضاعفة عدد الأساتذة لتلبية أسواق التعليم في العالم. وتشير استطلاعات إلى أنّ الصين تفتتح في كلّ ثلاثة أيام معهدا لتعليم الصينية أو "الماندرين". كما قامت الصين بتيسير تعليم اللغة الصينية عن طريق إنشاء كتابة أبجدية خاصة بها بالحرف اللاتيني وتعرف باسم "بِن يِن" ترافق عملية تعلم الكتابة الصينية التصويرية. كما ان اللغة الصينية تعيش اليوم تجربة فريدة عبر مسارها التاريخي، إذ لم يسبق للغة الماندرين أن تجاوز حدود سلطانها منطقة الشرق الأقصى، أي كوريا وفيتنام واليابان، بينما اليوم يقبل على تعلمها الناس في أميركا وأوروبا بشكل يجعل السؤال التالي مشروعاً:
هل تكون الصينية لغة المستقبل؟ وأياً ما كان الحال فهي اللغة الأم الأولى في عدد الناطقين بها، وهي اللغة الحيّة الأقدم من حيث أعمار اللغات، فاللغات التي عاصرتها  أضحت اليوم طي الماضي.

مع التصرف: جريدة الشرق الأوسط – المنتدى الثقافي –
"بأي ذهنية ستحكم الصين العالم عام 2020؟"- بقلم: بلال عبد الهادي