اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

لأول مرة تتجرأ الدراما المصرية وتتخذ من قضية إغتصاب امرأة الموضوع المحوري لها. هذا الحجر الكبير الذي أُلقى في النهر المصري الذي تعلم عبر آلاف السنين، الصمت وابتلاع ما يراه من صور القهر والظلم على ضفتيه ممثلاً أبلغ تمثيل الشخصية المصرية  الساكنة التي تحمل بصبر، الكثير من الآلام والجراح راسمة على الوجه ابتسامة لا تخلو من مرارة وسخرية.
في أدبيات الإساءة الجنسية، توجد دائماً ثلاث شخصيات، الضحية و المعتدي و المشاهد للجريمة. كل ما يطلبه المعتدي من المشاهد هو أن يكون مشاهداً صامتاً. أكبر حماية للمعتدي هي رغبة المجتمع في الإنكار. نحن لا نريد أن نتكلم عن الشرور والظلم. نحن كبشر بطبيعة الحال، نميل ألا نرى ما يقض مضاجعنا ويعكر صفو سلامنا. الضحية ينتظر من المشاهد فعلاً ودفاعاً وكلاماً، و المعتدي يلعب دائماً على رغبتنا في الصمت.

الأسباب الاجتماعية للعنف ضد النساء (اضغط)
يتناسب العنف ضد النساء مع درجة الفقر الذي يؤثر بدوره على نسبة الوصول لمصادر التعليم والثقافة، كما أن الفقر يشكل عبئاً نفسياً يزيد من نسبة الإضطرابات النفسية والسلوكية المختلفة التي هي وراء الكثير من أسباب العنف. كما أن هناك تأثير للمعتقدات والمفاهيم المجتمعية التي تبيح الاعتداء الجسدي في بعض الأحيان. تاريخياً كانت النساء يُعتَبرن ملكية خاصة لأزواجهن، وكان المجتمع يقرّ العنف تجاه النساء. كما أن الاغتصاب الزوجي كان لوقت قريب يُعتبر كلمة متناقضة حتى في الغرب.

إن كانت هذه هي الأسباب السائدة في المجتمع ككل، فهناك أيضاً أسباب كامنة في الأسرة المصرية بشكل خاص.  أحد أهم أسباب العنف ضد النساء هو تدني مستوى نضوج الأسرة  وصحتها. كما أن فهم دور الزوجة المثالي على أنه التجاوب مع كل رغبات ونزوات الزوج وتحمل إساءاته بصبر دون التعبير عن الحقوق أو رفض الإساءات، يؤدي لحدوث الكثير من الإساءات. ومؤخراً انتشر زواج السياح العرب من مراهقات مصريات لا يستطعن بطبيعة الحال الدفاع عن حقوقهن أمام هؤلاء الأزواج الأكثر مالاً وعمراً.

الأسباب النفسية للعنف على النساء (اضغط)
بعض النظريات تلقي باللوم على النساء أنفسهن بسبب الملابس المثيرة والسلوك بطريقة تغوي الرجال. هذا بطبيعة الحال لا يرفع المسئولية عن المعتدين ولكن السبب الأول هو عدم الأمان الذي تشعر به كثير من الفتيات والنساء مما يدفع بعضهن للحصول على الاهتمام من خلال الإثارة الجنسية. 
السبب النفسي الثاني بالنسبة للنساء هو تلك الدرجة العالية من تحمل الإساءة والسيطرة والتحكم في سبيل الحب والاهتمام. (الخلط بين السيطرة والرعاية)، كما أن بعض النساء يمارسن السيطرة المضادة على الرجل من خلال الجنس مما قد يستفز الرجل أحياناً فيلجأ للعنف الجسدي. 
وإذا تساءلنا: ما الذي يجعل النساء يصبرن ويبقين في علاقات مسيئة كهذه نجد أن رغبة الزوجة في الحفاظ على استقرار الحياة الأسرية من أجل الأطفال والشكل الاجتماعي قد يجعلها تقبل الإساءات وتتغاضى عنها. هذا الشعور بالضعف في كثير من الأحيان لا يكون حقيقياً، بل مجرد نبوءة كاذبة تم تصديقها بسبب سنوات طويلة من الإهمال والإساءة منذ الطفولة، وترديد لقيم مجتمعية تلخصها أمثال شعبية مثل " ضل راجل ولا ضل حيطة" وغيرها.
نظريات أخرى تفحص الأسباب النفسية في الرجل. أهم هذه الأسباب ما يعرف باضطرابات الشخصية (الشخصية ضد المجتمع، الشخصية الساديَّة الشخصية النرجسية الخ). مثل هذه الاضطرابات في شخصية الرجال تجعلهم أكثر ميلاً للعنف والإساءة. المشكلة في اضطرابات الشخصية هي أنها اضطرابات ليست لها أعراض نفسية واضحة يمكن تشخيصها بسهولة في لقاء واحد مع طبيب أو معالج نفسي، وإنما هي عيوب شديدة في الشخصية تجعل العلاقات الحميمة (مثل الزواج والعمل) في منتهى الصعوبة، وإذا رغبنا في الدخول لعمق أكبر، فإننا نجد أن عدم إحساس الرجل بالامان، يدفعه للعنف للشعور بالأمان من خلال التفوق. فإن كانت المرأة بداخلها طفلة صغيرة تبحث عن الاهتمام، حتى وإن كان جنسياً أو من خلال السيطرة والعنف، فالرجل أيضاً بداخله طفل يحاول الحصول على الأمان من خلال السيطرة والتحكم وربما من خلال الجنس. أخيراً يأتي ضعف الذكاء الوجداني وعدم القدرة على التحكم في الغضب والانفعالات كأحد الأسباب الشائعة جداً للعنف الأسري.

نظريات النمذجة
غالباً ما يأتي المعتدَى عليهن والمعتدون من أُسر كانت تحدث فيها هذه الاعتداءات بكثرة. وكثيراً ما يكون المعتدي قد تم الاعتداء عليه في الطفولة. جاءتني شابة عانت من زوج يضربها بشكل شبه يومي لمدة تسعة سنوات، وعندما سألتها كيف صبرت كل هذه السنين، كان ردّها هو أنها كانت ترى أن هذا أمر طبيعي فهي نشأت في بيت كان فيه أبوها يضرب أمها بنفس المعدل تقريباً، فلم تشعر أن شيئاً ما خطأ فيما يحدث إلا بعد تسعة سنوات من الضرب المبرح المستمر!

تعاطي المخدرات
نسبة كبيرة من أنواع العنف الأسري تكون مرتبطة بتعاطي مرتكبي العنف للمخدرات والكحوليات. ربما يتعلق ذلك بالتأثير المباشر للمخدر أو للرغبة في الحصول على المال لشراء المخدر أو لتغيير دائم في شخصية المدمن تجعله أكثر ميلاً للشك والعنف (في حالة الكحوليات على سبيل المثال).

هذه بعض من الحقائق التي يحتاج المجتمع أن يراها ويتألم لها ويضطرب بسببها ويتكلم عنها، ويفعل شيئاً لمواجهتها. كتبت الكاتبة الشجاعة منى حلمي في مقالها " البداية ــ من أول الستر" في مجلة روزاليوسف (العدد4090)   إن الحضارات تصنع نفسها ليس بالستر، ولكن "بكشف المستور".. إن البشر وكذلك المجتمعات    التي لا تطلب إلا الستر تحتوى في أجسادها على الكثير والعديد من الأمراض الحضارية المتوطنة.

في النهاية لست أجد أفضل من هذا الدعاء ختاماً

ليعطيكم الله سبحانه الغضب!
على الظلم، والقهر و استغلال البشر
حتى تعملون من أجل العدل والحرية والسلام
ليفجر فيكم الله الدموع!
لتذرفوها من أجل من يعانون الألم والرفض، والجوع، والحروب
حتى تمدوا لهم الأيادي التي تعزي وتحول ألمهم إلى فرح
ليهديكم الله بالحماقة الكافية!
لكي تصدقوا أنكم تستطيعون أن تصنعوا فرقاً في هذه الحياة
و تفعلوا ما يدّعي الآخرون أنه غير ممكن
و تأتوا بالعدل والصلاح لكل الأطفال والفقراء

 د.أوسم وصفي