اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

اتفضل شاي..
أبداً لا نقولها: اتفضل حلبة أو اتفضل جنزبيل أو ينسون أو عرقسوس أو سحلب أو نسكافيه.. لكن التفضل مقصور أبداَ على الشاي، والمصطلح وضع من أجله، والكرم هو مفتاحه، وسكة الألفة والمساهرة وحبال الأخذ والرد والتئام الجمع بدايتها؛ اتفضل شاي.. مع قالب سكر وورقتين نعناع وفص ليمون وخرطة كيك على جانب طبق الفنجان...


أروح أعدل مزاجي بفنجان شاي على جميع الألوان:
أسود وأحمر وأخضر وأبيض.. أي والله شاي.. أبيض..
الشاي الأبيض أرقى الأنواع وأغلاها، وإنتاجه العالمي نادر للغاية؛ ويسمى هذا النوع من الشاي "بالشاي الفضي أو اللؤلؤي"،
ومذاقه غاية من المتعة، ويعد إنتاج "سيلان" منه أفضل بكثير من إنتاج "فيوجان" بالصين.

وقد تفننت الشعوب في تحضير الشاي؛ فمنهم من يشربه صافياُ بلا تحلية، ومنهم من يحتسيه بالسكر، وفي إنجلترا يضاف الحليب، وهناك الشاي الخالي من عنصر الكافيين،
أما التتار فيغلون الشاي بالملح ويأكلون معه البصل،
وفي تركيا يستخدمون إبريقين له يملأون الأسفل الكبير بالماء ويضعون فوقه الإبريق الأصغر بأوراق الشاي والماء القليل، وبعد نضوج الأوراق يصبون من الإبريق الأصغر مقداراُ مناسباُ للرغبة من حيث اللون والتركيز، ثم يضاف الماء الساخن من الإبريق الكبير والسكر تبعاُ للرغبة، وقد يضيف الأتراك إلى أوراق الشاي زهر الزيزفون أو زهر البنفسج أو زهر الليمون أو الورد الجوري أو الجنزبيل أو القرفة، ويقدم مع الشاي قلوب الجوز واللوز والفسدق.


انحلال أخلاقي!
ظل الشاي حتى القرن الثامن عشر في أوروبا وغيرها يعد تناوله من مظاهر الانحلال الأخلاقي لدرجة أن الكاتب البريطاني "بن جونسون" قد وصف إحدى سيدات المجتمع بقوله: "مادامت تشرب الشاي هكذا علناً، فما الذي لا تجرؤ عليه؟!".. هذا وقد ظل تناول الشاي في عدة بلاد إلى تاريخ قريب مثار جدل ساخن تراوحت فيه الأقاويل بين التحريم والوجوب مروراً بالإباحية، وعلى سبيل المثال لقد ظل لفترة طويلة حكراً على الرجال البالغين في المغرب وموريتانيا، لكنه عمم بعدها وأدمنه الجميع.

وقد تطور احتساء الشاي ليمر بأربع مراحل في التاريخ العربي: كان في الأولى حكراً على مجموعة قليلة من الأغنياء الرجال، وفي الثانية اتسع نطاقه قليلاً وظل ممنوعاً على النساء والشباب، وفي هاتين الحالتين كان تناوله حراماً لم يزل بالنسبة إلى بعض فقهاء البادية... وفي المرحلة الثاثة شمل تناوله الشباب في مجالسهم الخاصة بعيداً عن الكبار، وظل في العرف السائد محظوراً عليهم.. وفي المرحلة الرابعة سمح للنساء بتناوله، وأصبج مشاعاً للجميع.

مصر


ويشتهر في مصر خاصة في الريف الشاي الغامق المغلي لفترات طويلة، والشاي الكشري؛ حيث يضاف الشاي للماء المغلي ويقلب جيداُ لتتصاعد الحبيبات على السطح، ويعود تاريخ المقاهي في القاهرة إلى 200 عام مضت؛ حيث يمثل الشاي بنوعياته المختلفة وأسلوب التقديم عماد الشروبات التي يصاحبها النداء لاستعجال طلبات الزبائن من المشروب السحري والوطني والاشتراكي بين الجميع:
واحد شاي وصلحه.. تلاته شاي خمسينة ..
اتنين شاي سكر تقيل مع شيشة عجمي
.. دور شاي مع عشرة كوتشينة بالمشاريب.. ونسمع نداءات الجرسون مناديا العامل الذي يقف وراء المنصة، يبلغه بطلبات الزبائن من شاي بنور:أي شاي عادي في كوب زجاجي، وشاي ميزة: أي شاي مخلوط باللبن، وشاي بوستة: أي شاي غير مخلوط بالسكر وإنما السكر وحده في إناه صغير مجاور له اسمة "السكرية" وشاي كشري: أي توضع أوراق الشاي الجافة المطحونة في مياة مغلية مع السكر.. وهناك "شاي التموين" الشديد القتامة الذي يعدل دماغ الصنايعية والفلاحين...

ويعود ظهور تقاليد تناول الشاي في مصر إلى فترة الخديو إسماعيل بعدما بهرته الموائد وحفلات تناول الشاي في فرنسا في قصور الأغنياء فقام بدعوة الإمبراطورة "أوجيني" لحضور حفل افتتاح قناة السويس؛ وقد أنفق إسماعيل على تلك الزيارة مليوناً وأربعمائة ألف جنيه مصري.. وفي أثناء تفقد الإمبراطورة للمناطق الأثرية توعكت قليلاً، ولم يكن هناك مكان مناسب للاستراحة إلا مقهى قريب اشتهر بتقديم الشاي الأخضر بالنعناع يعود إنشائه في حي الحسين إلى عام 1772م في عهد السلطان محمد بك أبو الدهب حينما كان واليا علي مصر.  وقبل توجه أوجيني للمقهي توجه رجال القصر لتهيئته والاقتراح علي صاحبه الفيشاوي بإحضار أطقم الشاي من القصر، وكذا الأكواب الزجاجية الملونة التي لا تخرج من الخزائن إلا في المناسبات الكبري، مثل مولد النبي، وعيد الجلوس، أو الحفلات التي تقام للملوك. لكنه أبي، وقال صراحة إن بعض ما عنده من أدوات تقديم الشاي لا يوجد في  القصر.. ووقف الفيشاوي  علي رأس الطريق القصير المؤدي من الميدان إلي المقهي شابا فتيا في العشرين وقتئذ طويلا مهابا ضخم الشارب، وعندما مد ذراعة لتتكئ عليه أوجيني طبقا لما أملاه عليه رجال القصر من أصول البروتوكول، لم يستمر طويلا، فما إن وصلا إلي المدخل حتي انفصل عنها ليتقدمها كما اعتاد المصري تقدم الحريم.
وكانت "اوجيني" توسع الخطي للحاق به، وطوال جلوسها بالمقصورة لم ترفع نظرها عنه مبدية إعجابها بالنباتات والزهور المحيطة بها، ومنها الفل والنرجس وشقائق النعمان واللوتس والياسمين، وبعدها أثنت علي المكان وطريقة إعداد الشاي في أكواب الخمسينة كما أبدت بعد انصرافها رغبتها في استدعاء المعلم إلي قصر ضيافتها لإعداد الشاي الأخضر المحلي بالسكر النبات، والمعطر بالنعناع.. وركب الفيشاوي عربته الخاصة التي يجرها جواد أسود فاخم ذو غرة بيضاء وأعد لها الشاي وسقاها بيدية رحيق سكر النبات.

وبعد سبعين عاما جاء مذيعاً بريطانياً إلى الفيشاوي ليصف له طريقة إعداده للشاي خلف الأبواب المغلقة لجميلة الجميلات التي أشرف الخديوي إسماعيل بنفسه علي رصف طريق ستمر به عربتها، بحيث يميل الارتفاع بمقدار معين فتضطر طبقا لموقع جلوسها المدبر الاتكاء عليه لعل وعسي..ولكن المعلم قام بطرد المذيع الإنجليزي لاعنا جدود الإذاعة البريطانية، وانطوي سر الطريقة التي رشفت بها أوجيني شاي أشهر صاحب مقهي في مصر.. المقهي الذي أبرزه نجيب محفوظ في روايته الخالدة "قصر الشوق" عندما  التقي البطل أحمد عبد الوجواد بأصدقائه حول ترابيزة الشاي.

اليابان
تقديم الشاي الياباني له دور رئيسي في حياة الياباني؛ فمراسم التقديم تستغرق 4 ساعات كاملة يومياً، وله مدرسون ومدرسات يشرفون على تعليم الفتيات فن تقديم الشاي قبل الزواج، وأولى قواعد اتيكيت الشاي الياباني أن يغسل الضيف يديه وفمه قبل دخوله محراب قاعة شرب الشاي، فإذا ما أقبل على بابها عليه خلع حذائه والانحناء إلى الضيف عند الدخول، فالباب بطبيعته منخفض وضيق للغاية، والمعنى وراء ذلك هو الالتزام بشدة التواضع لجلال الموقف المقدس وهو زمن شرب الشاي، هذا إلى جانب وجوب ارتداء ملابس هادئة اللون أثناء احتساء الشاي كي لا تعيق بهرجتها أجواء التأمل والتحليق.. وتجري طقوس حفل الشاي بتناول وجبة خفيفة تعدها ربة البيت من الفاصوليا الحمراء والسكر، تعطى في النهاية ما يشبه قوام الملبن المصري، بعدها يتم الخروج إلى الحديقة اليابانية بطرازها الخاص في نزهة مقيدة صامتة للتأمل في جمال سلطانية الشاي وليس كوب الشاي .. شاي أخضر ثقيل بدون سكر، ثم سلطانية ثانية من الشاي الخفيف .. كل هذا يتم في سكون وصمت من الشفاه، لكن حديث العيون يعبر عن مدى الإعجاب بالسائل السحري، وبساطة الديكور المحيط الذي لا يضم سوى بارافان متواضع ومنضدة صغيرة تعلوها فازة ورد صغيرة منسقة بمهارة بالغة وحصير القش؛ فإذا ما جلست إلى مائدة الشاي الياباني ضيفاً فعليك تناول السلطانية باليد اليسرى، وإسناد طرفها باليد اليمنى ثم تأخذ في رشف الشاي بلا أدنى صوت..

الصين
وأبداً سيظل النزاع الشايي قائماً بين كل من الصين والهند، لتثبت كل منهما أنها أم الشاي الأصلية. في الصين يضربون في العمق التاريخي البعيد ليأصلوا شايهم، فيزعمون ظهوره على أرضها قبل مائتي مليون سنة، ويقولون إن الهند وقتها كانت غارقة في الماء، أو مفصولة تماماً عن قارة آسيا بواسطة المحيط، وللشاي في الصين قدسية خاصة فالحكمة في الصين قد رفعته لمنزلة القداسة، ومن أقوال الحكيم الصيني "كاتوزو أو كاكاورا": ليس أقسى على الفؤاد من ثلاثة أمور: إفساد الشباب بالتربية المنحلة، وإفساد الصور بنظرات الجهلاء، وإعداد الشاي بطريقة بلهاء تذهب بطعمه ونكهته". وهو في مصاف الكنوز السبعة التي يتمتع بها المثقفون، فهو السابع إلى جانب - القيثارة، والشطرنج، والخط، والرسم والشعر، والكحول، وهو من ضرورات الحياة اليومية السبعة على غرار حطب التدفئة والأرزوالزيت والملح والصويا والخل. وفي أحد النصوص التاريخية جاء في بنود التعاقد مع أحد الخدم في عام 59 ق.م، وصف بالتفصيل للمهام ال220 اليومية التي على الخادم اتباعها فكان فيها شراء الشاي وتحضيره، وتناول الشاي في الصين له درجات اجتماعية؛ فهو عندما يخلط بمواد أخرى فهذا يدل على مستوى اجتماعي بدائي وهابط.
وبصورة عامة بين الشاي والأمة الصينية الرابط الجوهري الذي يربط النبيذ بفرنسا، والويسكي بإسكتلندا، والنارجيلة بتركيا.. كما أن هناك روابط أخرى للشاي في الصين مع الفلسفة والدين وأسلوب الحياة في المجتمع والنظرة الصينية للعالم، فيربط غالباً بين الشاي ومفهوم الانسجام وفي ذلك تقول النظرية الفلسفية الصينية: "إن الشاي يسمح بخلق الانسجام بين الأضداد، فيكون احتساؤه مع الآخرين نوعاُ من القبول المؤقت بوضع الأسلحة جانبا
وقد باتت ثقافة الشاي محوراُ روحياُ للبشر الباحثين عن السلام والصفاء، وتلعب دوراُ مهماُ في العلاقات الدولية.. وفي الصين عندما يكرس الوقت للشاي تتشبع الأجواء بالحكمة والمبادئ الأخلاقية والفضيلة، وبواسطة الشاي يحسن السلوك، ويغدو الوقت كافياُ للتأمل في الوجود والبحث عن الحقيقة سعياُ وراء الهناء الروحي والنقاء الأخلاقي. ووسط احتفالات هونج كونج بالألفية الثالثة احتشد أكثر من خمسة آلاف شخص في قاعدة بحرية بريطانية سابقة في هونج كونج ليحتسي الحضور مازاد على 24 ألف فنجان شاي ليدخل الحفل موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية.

سناء البيسي – مجلة "فنون مصرية" (مع التصرف)