اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

يصف أحد مؤلفي الموسيقى اللحظات التي يبلغ فيها الذروة في الإبداع في عمله: فيقول
"أجد نفسي في حالة من النشوة الغامرة للدرجة التي تجعلني أشعر وكأني لست موجوداً، وكأن يداي مستقلتان عني وليس لي دخل بما يحدث، وكل ما علي هو فقط أن أهدأ وأراقب هذه الحالة  التي تنساب من تلقاء نفسها".

وتقول دايان روفي شتاينروتر الحائزة على الميدالية الذهبية في التزحلق سنة 1994 أنها لم تتذكر أي شيء عما فعلته بل كانت طافية في شعور عميق من الإسترخاء:" شعرت أني أنساب كشلال".
ويشبه هذا الوصف بدرجة عجيبة ما وصفه المئات غيره من شتى المجالات، متسلقوا الجبال وأبطال الشطرنج، جراحون عظماء ولاعبو كرة سلة، مهندسون بل حتى موظفون يقومون بحفظ الملفات.
تدعى الحالة التي يصفونها "الإنسياب".

الإنسياب شعور من نسيان الذات على عكس الإجترار والتخوف: فبدلاً من الإنهماك في الشواغل العصبية يذوب الأشخاص أثناء الإنسياب في المهمة المطروحة ويفتقدون اي احساس بالذات ويغفلون عن الشواغل الصغيرة لحياتهم اليومية، كالصحة أو الفواتير أو حتى العمل المجهد.
 تعد القدرة على الدخول في الإنسياب من أعلى مهارات الذكاء الوجداني، وقد يكون هو أعلى مستوى لترويض المشاعر لصالح الأداء والتعلم. وهو لايعني مجرد احتواء الانفعالات  بل يعني  شحنها وتجنيدها لصالح المهمة المطروحة.

في حالة الانسياب  نستغرق فيما نفعله، فلاننتبه إلا للمهمة المطروحة أمامنا حينئذ يمتزج وعينا بأفعالنا. يمر معظمنا من وقت لآخر بحالات الإنسياب على الأقل في صورة مصغرة حيث يصل أداؤنا  لذروته و يمتد لحدود لم نعهدها من قبل.
عندئذ يصبح إنتباهنا مركزاً لدرجة تجعلنا لا ننتبه إلا للمساحة الضيقة المتعلقة بالمهمة المباشرة ولا ننتبه للزمن أو المكان.
على سبيل المثال يحكي أحد الجراحون عن استغراقه في الإنسياب أثناء عملية صعبة أنه عندما انتهى لاحظ وجود أنقاض على أرضية حجرة العمليات وسأل عما حدث واندهش عندما علم أن جزءاً من السقف قد سقط أثناء انهماكه في العملية ولم يشعر به اطلاقاً.

ويبدي الأشخاص أثناء الإنسياب تمكناً كبيراً مما يفعلون وتتناغم استجاباتهم مع المتطلبات المتغيرة للمهمة وبالرغم أن أداء الآشخاص يصل لذروته أثناء الإنسياب إلا أننا نجدهم لاينشغلون بالأفكار عن النجاح او الفشل فيما يفعلون، فالاستمتاع المجرد بما يفعلونه هو الذي يدفعهم. لأن الإنسياب يتوقف إذا فكرنا فيما يحدث، ففكرة "أن ما أفعله جميل" قد توقف تدفق الإنسياب. وعندما يحاصرنا الحزن الكئيب أو التوترالقلق نبتعد عن الإنسياب.

يقول شيكزينتميهالي: "يبدو أن البشر يركزون بشكل أفضل عندما تكون المطالب المفروضة عليهم أكبر بقليل من المعتاد، فحين تكون المطالب بسيطة يشعر الناس بالملل، وحين تكون أكبر من قدراتهم يشعرون بالقلق ويحدث الإحساس بالإنسياب في المنطقة الحساسة بين الملل والقلق".
هناك طرق عديدة للدخول في الإنسياب: أكثرها شيوعاً التركيز المتعمد في المهمة المطروحة حيث ان حالة التركيز المرتفع هي جوهر الإنسياب. ربما تحتاج هذه الخطوة الآولى إلى التدريب لكن بمجرد انعقاد التركيز تتدفق الآمور بدفع ذاتي وتعطي شعوراً بالإرتياح من الاضطراب الإنفعالي وفي نفس الوقت تجعل المهمة تستمر دون مشقة.

حالة الإنسياب لاتحتوي إلا على النشوة البسيطة الدافعة والمشجعة للغاية، وتعتبر حالة النشوة ناتج ثانوي للإنتباه المركز والذي يعتبر شرطاً لازماً للدخول في الإنسياب.
إن مشاهدتنا لشخص في حالة الإنسياب تعطينا الإنطباع ببساطة الأمور الصعبة حيث تبدو ذروة الأداء كما لو كانت طبيعية وعادية.وكأن أصعب الأعمال الصعبة تبدو منعشة ومنشّطة وليست منهكة على الإطلاق.

ولعل التصوير الأمثل للإنسياب هو نشوة الجنس بين المحبين عندما يتحد جسدان في تناغم واحد متدفق.
وتلك خبرة رائعة: فالسمة المميزة للإنسياب هي التدفق التلقائي للبهجة والنشوة.

من كتاب ذكاء المشاعر
"دانيال جولمان"