اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

منذ أيام شاهدت للمرة الثالثة فيلم " ملكوت السموات"  Kingdom of Heaven هذا الفيلم أنتج عام 2005 وهو من إخراج ريدلي سكوت و بطولة الممثل الإنجليزي أورلاندو بلوم والنجم السوري غسان مسعود. الفيلم  يدور حول الحروب الصليبية بين العرب المسلمين وأوربا المسيحية في القرن الثاني عشر. الرسالة التي يقدمها هذا الفيلم تستحق أن نقف عندها ونتأملها ويمكن أن ألخص تأملاتي حول هذا الفيلم في نقطتين، ما هو المقدس؟ ومن هم الفرسان؟
أولاً: ما هو المقدس؟
- ما هي قيمة أورشليم؟     يسأل بالين دوق إبلين (بطل الفيلم)
- لا شيء!         يجيب صلاح الدين
ثم يشير  بحركة مسرحية إلى نفسه وجيش العرب المسلمين المصطف وراءه كبحر من البشر قائلاً:
     ـ      كل شيء!
هل المقدس هو الأرض أم الساكنون على هذه الأرض؟ هل المقدس هو هيكل من طوب وحجارة بناه الإنسان أم المقدس هو الهيكل البشري من اللحم و الدم الذي خلقه الله؟ هل المقدس  كتاب؟ أم هو الإنسان الذي الكتاب موجّه له؟ الكتب المقدسة رسالات للإنسان ووصايا له تكتسب قيمتها من قيمة المرسل والمستقبل معاً.  الوصية قد جُعِلت لمصلحة الإنسان أي أنها خلقت من أجله ولم يخلق من أجلها. المسيحية تقول أن غاية الوصية هي المحبة، والإسلام يقول أن أصل الشريعة هو اجتناب الضرر فلا ضرر ولا ضرار هو المبدأ الفقهي الأسمى.
الإنسان إذاً هو المقدس و هو صاحب القيمة الحقيقية في كل  هذا الكون المخلوق، وإذا كان لشيء قيمة فهي قيمة مستمدة من الإنسان.  المأساوي عندئذ هو أن تُستخدَم الأشياء التي تستمد قيمتها وقداستها من الإنسان كسيف مسلط على رقبة الإنسان لكي يقتله وإن لم يقتله يخيفه طوال العمر ويمنعه من تحقيق ذاته.
الأرض في ذاتها لا شيء لكن لكونها وطننا فهي كل شيء.  لسان حال صلاح الدين هو أننا نحارب ليس من أجل المدينة كمدينة ولكن من أجل المعنى الذي تعنيه بالنسبة للبشر. هذه النظرة تجعلنا نحترم الأرض والمقدسات ليس سوى لأننا نحترم البشر الذين تشكل هذه الأشياء معنى بالنسبة لهم. لقد حارب صلاح الدين، كما يقول الفيلم، لاسترداد بيت المقدس ليس تحقيقاً لأغراض استعمارية، ولا حتى لإسترداد الكرامة. لقد حارب كرد فعل للاعتداء على العُزِل ومهاجمة القوافل التجارية وهو الأمر الذي عكف عليه رينو دي شاتيلون أمير الكرك وغيره من المتأمرين على عرش أورشليم التي كانت خاضعة وقتها للصليبيين.  و قبل أن يقف صلاح الدين هذه الوقفة مع باليون وقف وقفة مماثلة مع بالدوين الرابع ملك أورشليم قبلها بسنوات.
صلاح الدين: أرجو أن تسحب فرسانك وتترك هذا الأمر لي.
بالدوين الرابع: أرجو أن تنسحب بسلام إلى دمشق. رينو دي شاتيلون سوف يُعاقب. أقسم لك. انسحب وإلا متنا كلنا هنا.
دار هذا الحوار بين ملكين يقدران قيمة الأرواح التي هم مسؤلان عنها ولا يبحثا عن بطولات زائفة.  استجاب صلاح الدين وأعقب قائلاً للملك بالدوين:
ـ سوف أرسل لك أطبائي (وذلك لأن بالدوين كان مريضاً بالجذام)

ولكن عندما دارت الأيام ومات الملك بالدوين وتولى بعده الملك جي دي لوزينان المتحالف مع رينو دي شاتيلون واستمر الاعتداء على قوافل الحجيج العزل ومنهم أخت صلاح الدين نفسه، زحف صلاح الدين ليستولي على أورشليم. و خلال الوقت الذي أخذه صلاح الدين ليصل من دمشق إلى أورشليم، قام بالين دوق إبيلين (بطل الفيلم) بوضع خطة لحماية أورشليم. وافتتح خطته بهذه الخطبة إلى شعب أورشليم
لقد أصبح لزاماً علينا أن ندافع عن أورشليم، ولقد أعددنا عدتنا لذلك على أفضل صورة ممكنة.  ليس من بيننا أحد ممن أخذوا هذه المدينة من المسلمين. ولا يوجد مسلم واحد من ذلك الجيش العظيم القادم علينا كان قد ولد عندما سقطت هذه المدينة (منذ أكثر من مئة عام). إننا نحارب من أجل اعتداء لم نقم نحن به ضد أشخاص لم يكونوا قد ولدوا عندما حدث هذا الاعتداء.
ما هي أورشليم؟ أماكنكم المقدسة (يخاطب المسيحيين) تقع فوق الهيكل اليهودي الذي هدمه الرومان. وأماكن عبادة المسلمين تقع فوق أماكنكم. أي منها أكثر قداسة؟ الحائط؟ (يقصد حائط المبكى الباقي من الهيكل المنهدم) أم المسجد؟ (يقصد المسجد الأقصى) أم قبر المسيح؟ ليس لأحد حق! ......الجميع لهم حق!
يتمتم أسقف أورشليم: لقد كفر!           ويعاجله شخص يقف بجانبه قائلاً: اصمت!
ويضيف بالين:
ـ  إننا ندافع عن هذه المدينة لا لكي نحمي هذه الحجارة لكن البشر الذين يعيشون خلف هذه الأسوار.
تذكرت وأنا أشاهد هذا المشهد قصة حكاها لي أحد الأشخاص من غزة عن رجل مسن سألوه بعد معارك غزة عن رأيه في "الانتصار" الذي حققته حماس في غزة. فقال بشجاعة الشيوخ المستمدة من اقترابهم من الموت:
ـ  يبقى "انتصارين" ثلاثة متل هذا "الانتصار" ولن يبقى لأهل غزة أثر!
ثانياً: من هم الفرسان؟
مشهد آخر داخل الأسوار. أسقف أورشليم يتساءل مستنكراً.
ـ  كيف نحمي أورشليم بدون فرسان؟
ينادي بالين على كل القادرين على حمل السلاح في أورشليم ويجعلهم يجثون ويتلوا عليهم  قسم الفارس
كن بلا خوف أمام أعداءك. كن شجاعاً ومستقيماً حتى يحبك الله. تكلم بالحق دائماً، حتى وإن أدى ذلك إلى موتك. احم الضعيف ولا ترتكب الخطأ، هذا هو قسمك.
ـ من أنت؟ هل تظن أنك تستطيع أن تغير العالم؟ هل تظن أنك بجعلك أياهم فرسان هذا سيجعلهم  
   محاربين أفضل؟                    يعترض الأسقف
تلتقط الكاميرا نظرة عينيّ خادم الأسقف التي أصبحت أكثر لمعاناً بعد أن تلي عليه قسم الفرسان.
ـ نعم.                                                      يقول بالين
لكي يكون المرء فارساً ليس الأمر تدريباً أو دراسة أو سلالة نسب. وإنما يحتاج أولاً إلى من يحرر روحه من سجنها.  الحقيقة هي أن كل الرجال فرسان لكن أحداً لم يعطهم الفرصة. لقد خلقنا الله فرساناً. لكن الأنظمة المستبدة المستعبدة من البيت إلى المدرسة إلى المؤسسة الدينية إلى المؤسسة السياسية، كلهم أخذوا من تحتنا الفرس وسحبوا من بين أيادينا السيوف وجعلونا خدماً برتب مختلفة. هناك خدم يطلق عليهم خدم وخدماً يطلق عليهم أسماء أخرى، لكن الجميع تروس في آلة لا تشعر ولا تحترم الشخصية الإنسانية. ليس العيب في أن نكون جزءاً من كل أو في أن نخدم بأي صورة،  لكن العيب هو ألا نكون أرواحاً حرة.
 بالطبع ليس بالضرورة أن نتمطي خيولاً أو نعتمر سيوفاً لكي نكون فرساناً  وإنما نستطيع أن نخدم  في في كل الأماكن بشجاعة الفرسان وأخلاقيات الفرسان،  نقول الحق بلا خوف ولو أدى هذا إلى الموت، ننصر الضعيف والمسكين ولا نقترف الخطأ من أجل أي مكسب.

كل الرجال مولودون لكي يكونوا فرساناً لكننا ندخلهم بالتدريج في برنامج لتقليل الإحساس( أو إذا أردتني أن أكون أكثر فجاجة في التعبير) في برنامج للإخصاء النفسي المنظم من خلال القهر المقرون باللامبالاة حتى يتحولوا إلى كائنات  فاقدة للحس قانعة بتحقيق المصالح المادّية الصغيرة.  لقد تحول أغلبنا إلى كائنات ضيقة، بلا هم عام وبلا قضية  وغير قادرة حتى على التضحية،  فمن عساه يضحي سواء الأحرار؟!
لقد قسمت الحضارة الإغريقية الكون بين  آلهة أبديين يجلسون في مجمع الآلهةPantheon في السماء يتحكمون بلا رحمة في البشر الفانين.  لكن الحقيقة التي تقدمها الأديان السماوية، هي أن البشر ليسوا بفانين. إنهم أرواح حرة أبدية منحها الله قبس منه يبقى إلى الأبد. يقول الفيلسوف الإنجليزي ك. س. لويس أنه لا وجود لمن يسموا "بالبشر العاديين"  و ك. س. لويس هو  كاتب ملحمة نارنيا التي رسالتها المحورية هي أن أربعة من الأطفال في الواقع المادّي المنظور ليسوا سوى تلاميذ في مدرسة انجليزية أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن واقعهم الروحي الداخلي هو أنهم فرسان بل وملوك.
هل يمكنك عزيزي القارئ  أن تنظر إلى المئات من  تلاميذ  مدرسة ابتدائية حكومية في أحد القرى أو المراكز في ريفنا وهم يخرجون من بوابة المدرسة في نهاية اليوم الدراسي بمرايلهم الكاكية الرخيصة وضوضاءهم التي تسمعها كصرخة واحدة لا معنى لها،  وحولهم عاصفة ترابية خلفتها ضربات أرجلهم الصغيرة  على الدروب التي لم يصلها الأسفلت بعد، وتقول  أن كل هؤلاء "فرسان"! 
لا أدري لماذا تركني هذا الفيلم وأنا اقول. " هذا بالفعل  ما نحتاجه،  أن ندرك أن كل البشر مقدسون وكل الرجال فرسان! "