اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

إن الوقوع في شرك النيكوتين عادة ما يكون نتيجة لعملية ممارسة، ولأن أجسادنا أكثر ذكاءاً وسطوة من إرادتنا، فإننا عندما نتمرد على الحياة ونتجه للنيكوتين يكون للنيكوتين اليد العليا، وهنا يبدء الجسد في السعال والشعور بصعوبة البلع والغثيان وربما تنتابنا حالة من القيئ، ومع ذلك وبالإصرار على التدخين يتم تحكم النيكوتين في ذلك الجسد أكثر، فبالتمرد والرغبة في أن نصبح مثل الشخصيات الهامة والأباء ونجوم السينما والأشخاص البارزين في المجتمع ننحج في تعلم عملية التعاطي والوقوع في شرك الإدمان.
عادة ما يكون هناك سرعة تحول كبيرة من مرحلة التجريب إلى النقطة التي فيها تصبح للمادة المخدرة اليد العليا في حياتك. وبسرعة هائلة تبدأ مشاعرك في التغير المفاجئ، ومهما كانت تلك المشاعر سواء "عنيفة" أو "باردة" أو " ناضجة" أو "جيدة" أو " سيئة" أو " متمردة"، " وسواء كنت تتمتع بشعبية داخل مجموعتك"،  أو" لا تتمتع بشعبية بين أقرانك" فإنك  تجد نفسك في النهاية منعزلاً.
وبمجرد أن نكتشف أن للنيكوتين القدرة على مدنا بما نحتاجه، فإننا لن نمض وقت طويل حتى نسمح للمخدرات أيضا بتقديم يد المساعدة لكل شيء في حياتنا ولأي شيء، وعليه فإننا ندخن سواء كنا في حالة مزاجية جيدة أو حالة مزاجية سيئة، سواء أردنا النهوض من نومنا أو أردنا النوم، أو سواء نعلم ما هي الطريقة التي تجعلنا سعداء أو لا نعلم.
سرعان ما نتعلم أن ندخن في كل هذه الأوقات، قد يستطيع البعض الاستمرار لفترة في رياضة ما أو أنشطة تتطلب مجهود عضلي وجسمي أكبر، ولكن في حقيقة الأمر بالنسبة للعديد(من المدمنين) فإن مثل هذه الأنماط الرياضية سرعان ما تصبح محدودة.
كما يكون هناك أزمات أو اتهامات لما نبدو عليه من الضعف، ولذا وحتى نتجنب هذه الانتقادات فإننا نلجأ إلى خلق صحبة ما مع من يتوافق معنا في طريقتنا ويشاركنا التدخين، ولكن لا يوجد بالفعل مهرب للتخفي، من ذلك الشعور المتنامي من العار والخزي والخوف الداخلي من ذلك التحكم المتزايد لهذه المادة في حياتنا ووجودنا. وعندما تبدأ محاولات الاقلاع عن تدخين النيكوتين ونشعر بفوات الأوان يبدأ الشعور بالاحباط، وقد يكون هذا الشعور سريع الظهور عند البعض وغير ذلك عند أخرين، ولكن عادة ما تنشأ فكرة تتسلط علينا بأننا سنستمر في هذا الإدمان ولا مفر حتى الموت، وكلما تنامت الاخفاقات وتعددت الهزائم كلما تتضائل معها تقدير الذات، ويبدأ هبوطنا في ذلك المسار الحلزوني من الاخفاقات لنصل القاع.
وعند محاولة تذكر الأشياء الماضية فإننا نلحظ أن عملية التدخين كانت جزء من مجموعة حيل متنوعة، حيث يبدأ التدخين عادة بالكذب على الوالدين وهي حادثة خطيرة يمر بها معظم الشباب، ويعقب ذلك مزج عملية الكذب بسرقة بعض السجائر من الوالدين أيضا.  ثم نبدأ في الكذب في عدد السجائر التي ندخنها، ويبدأ الهبوط في هذا المنحى الحلزوني بسرعة أعلى نحو القاع.
نحن نقدم عدد غير محدود من "الأسباب" التي تؤدي للتدخين، "مثل أصدقائي يدخنون ونحن نريد ألا نشذ عنهم" ، "هل يمكن أن يقبلنا الأصدقاء إذا لم نكن ندخن مثلهم؟". " أبوينا يدخنون ولقد كبرنا وكبرت معنا فكرة أن البلوغ مرتبط بالتدخين".  أو " لقد بدأت التدخين وأنا في عمر السابعة عشر لأنني لا أريد أن يزيد وزني، كما قد أخبرتني أمي أن التدخين خيرا لي من أن أصبح بدينا". " لقد كانت محاولة منا لأن نبدوا بالغين حتى ينظر إلينا الأخرين على أننا ناضجين.
في حقيقة الأمر لم يكن أحد منا على وعي كامل بنتيجة قيامه بالتدخين ولم يتخذ أحد منا قراره بناء على نية مسبقة وإرادة واعية بأن يصبح مدخنا، بل في الواقع أن كل من يحيطنا من رفقاء أو أباء أو رموزهامة في حياتنا والتي نراها تدخن النيكوتين فنقوم نحن بتقليدهم في أفعالهم، وفي محاولة جرئية أو نابعة من الفضول فإننا نرى ما يفعلونه ونقلده تقليدا أعمى، فقط لمجرد أن نكتشف ما هذا الشيء.
أي كان الشيء الذي تم "اكتشافه" فإننا عندما بدأنا هذه الاكتشافات بدأنا في التدهور أكثر، فالاحساس بالنضج أو التمرد أو التميز أو السوء أو أن نكون" داخل مجموعة" (سواء كنا محبوبين داخل هذه المجموعة أو لا نتمتع بشعبية)، فمع السيجارة لا نحتاج شيء أخر حتى نبدو دمثين أو واثقين من أنفسنا أو متمردين، فقد يحدث التحول السريع والفوري من مجرد شخص عادي إلى شخص ساحر لا يقبل المنافسة، أو على الأقل سنجد "القبول" أو حتى الاستحسان والاعجاب والتقدير في اعيننا وفي عيون من حولنا.
تبدأ أجسادنا في اشتهاء الحالة الشعورية المادية الناتجة عن المخدرات ( النيوكتين)، مثلما تبدأ انفعالاتنا في التلهف على ذلك شعور بالتفوق النفسي والذي يصاحبنا عندما نتناول النيكوتين.. ويبدأ النيكوتين في تغطية وتهدئة بعضاً من تلك المخاوف الغامضة والمزعجة بداخلنا أو ربما بعض المخاوف الأخرى المعروفة لنا، فالتدخين يغطي شعورنا بالخوف من الناس، أو ربما يخفي ذلك الخوف الذي يصاحب تواصلنا وتعاملاتنا مع الأخرين، كما يساعد التدخين أيضا على اخفاء القلق من عمل شيء ما محدد، وذلك بإبقائي جالسا كما أنا ومعي سيجارتي.
بينما نجد الكثير منا يتعاطى النيكوتين لسنوات طويلة من حياته دون أن يبالي، إلا أن معظمنا قد بدأ بالفعل بالشعور بالذنب نحو الطريقة التي نعامل بها أجسادنا، أو عدم حكمتنا  في التعامل مع أموالنا، ومع زيادة الوعي بمخاطر النيكوتين وبمحاولات الاقلاع عن التدخين لبعض من الأفراد حولنا يبدء تزايد الشعور بأننا اقل ممن حولنا، ممن استطاعوا الاقلاع  فعلياً عن التدخين بلا معاناة، أو يبدء اختلاق فكرة أننا " أفضل" من الأخرين الذين أقلعوا عن التدخين، وبطريقة أو بأخرى نكون أكثر إصرارا على الاستمرار في التدخين على الرغم من توجه الرأي العام بشأن التدخين.
وعلى الرغم من كل ما سبق يظهر شعور بالعزلة كنتيجة لهذه العادة، والتي اختلقناها لأنفسنا، والتي كان من المفترض أن تساعدنا على الاندماج في ذلك المجتمع على نحو أفضل، ربما أثبتت هذه الطريقة عجزها، حيث توجه البعض للعزلة عن المجتمع وأتخذ من النيكوتين وسيلة للبقاء في هذه العزلة.

       من كتاب
المُدخنون المجهولون