اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

"إن مواجهة النفس من أصعب الأشياء. من الصعب أن تنظر إلى نفسك وتحاول أن تجد ما هو حقيقي أو غير حقيقي فيها. والشيء الأصعب هو أن تتمكن من إزالة الغمامة من فوق عينيك" 
                                       جون لينون
إذا سألني أحد ما أن احدد المتطلب الأكثر ضرورة للسلام الداخلي، سوف أقول: إنه الأمانة.
سواء كان ذلك يعني الصدق بمفهوم عام، أو معرفة الظروف الحقيقية، أو تسمية الأشياء باسمائها، أو الاستعداد للاقرار بالفشل أمام الاّخرين. إن الأمانة هي المبدأ الأساسي للسلام، يمكن أن نناضل من أجل السلام حتى موتنا، ولكننا لن نجده إذا كنا غير مستعدين لوضع انفسنا تحت الضوء أمام الحقيقة.

إن عدم الأمانة هو واحد من أعظم المعوقات على الطريق الموصلة إلى السلام، لأنها تمنعنا من إيجاد منطلق سليم نبني عليه بحثنا.
يقول توماس ميرتون: "علينا أن ندرك بأن الشخص الذي هو نحن، هو في أفضل الأحوال مُضَلل وغريب.
علينا أن نعرف دوافعه وخفاياه باستمرار وإلا كان الفشل مصير محاولاتنا لمعرفة أنفسنا. "وقد أدرك شكسبير هذا بقوله: "فوق كل شيء: كن صادقاً مع نفسك.. إن هذا أمر حتمي كما يتبع الليل النهار.. لا تستطيع أن تكون كاذباً مع أي إنسان".
وبالطبع فإن قول ذلك أسهل من فعله. وقد أخبرتني صديقتي "جانيت"، بأنها كامرأة شابة بحثت عن السلام سنة بعد الأخرى- من خلال الحركات العمالية والمنظمات السياسية والمجموعات الجامعية والتعاونيات وغيرها- ولكنّها في نفس الوقت أهملت شيئاً أساسياً وحيوياً إلا وهو الاهتمام بالمشاعر في داخل نفسها وهناك عدد كبير من الناس مثلها.
ولم يثمر بحثها عن السلام إلا عندما تصالحت مع نفسها بالمراجعة الداخلية بعمق وأمانة.
إن معرفة الذات هي الخطوة الأولى فقط. وهي لا تجلب وحدها السلام، ويمكن أن تقودنا بعيداً عن السلام بوضعنا في دوامة الاهتمام بالنفس. وغالباً ما يكون النفاق هو النتيجة النهائية، وتصبح الحياة كأنها تمثيلية. وربما كان اكثر الناس مخاطرة في هذا المجال، هؤلاء الذين يذهبون بعيداً لكي يظهروا كأنهم ناس طيبون. ونقوم نحن جميعاً في فترة من الفترات، بوضع أقنعة لنفسنا محاولين الظهور أمام الآخرين بمظهر جميل. وكان المملثون في المسرح اليوناني القديم يضعون الأقنعة على وجوههم من أجل تصوير الشخصيات المختلفة. وكان الممثل يتمكن من الانتقال بسرعة من دور إلى آخر بتغيير القناع.
في الواقع إن الكلمة اليونانية " للممثل" يفهم منها كلمة "منافق" في الإنجيليزية. وبنفس الطريقة فإن كل واحد منا لديه أقنعة يرتديها أحياناً. وبإختصار فإننا جميعا نأخذ دورنا في تمثيل دور المنافق. ولكي ندرك من نحن في الواقع، يجب مواجهة القضايا التي تجنبناها في السابق، ونترك المجال لمواجهتها بأنفسنا. ولا يأخذ معظمنا هذه الخطوة الأولى لسوء الحظ، لأننا نخاف أن يُطلَب منّا أن نتغير. ونحن نتردد في التخلي عن الشعور بالرضى الذاتي، ونحاول إقناع أنفسنا بأنه لا توجد أشياء سيئة، وأن كل شئ يسير على ما يرام.
 وحبذا لو عرفنا كم يكون السلام عميقاً وعظيماً عندما يأتي مع الشعور الواعي بحالتنا الداخلية الحقيقة. إن "سيلفيا" الآن هي في التسعينات من عمرها، كانت تشغل وظيفة موسيقية واعدة في لندن قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية وكانت فتاة مثالية ويسارية ملتزمة. وكانت كالكثيرين من جيلها قد شاركت بحماس في حركات السلام في شبابها. ولكن الموقف غير الثابت للعديد من "دعاة السلام" في معارضة أعمال القتل، وفي نفس الوقت عدم معارضة المظالم الاجتماعية، جعلها غير راضية ودفعها إلى طلب المزيد. تقول "سيلفيا": " كنت أنا وزوجي رايموند نجتمع بإنتظام مع عدد من الأصدقاء من اجل مناقشة قضايا الساعة، وكنا نبحث عن افضل السبل في متاهة الأفكار الإنسانية – الحرب والسلام والسياسة والأخلاق التقليدية، والحرية الجنسية، ولكننا لم نصل إلى طريق أفضل من اجل إيجاد مجتمع سلمي أو عادل."
وبعد مرور فترة من الزمن، وخلال الولادة الطويلة والصعبة لطفلها الأول، ظهر لسيلفيا فجاة، أن حياتها الشخصية تتميز بنفس المتاعب التي كانت تحاربها في المجتمع. ورغم الإمكانيات المتألقة لمستقبلها في الموسيقى، فقد كان زواجها في مأزق وأفكارها متوترة. وشعرت بصراحة بأنها مستنزفة ولهذا فقد قررت قبل المساهمة بأي عمل لتحقيق السلام في العالم، أن تنظر بأمانة في حياتها وأن تجد السلام في داخلها و مع الآخرين.
 إن العيش في ظروف تتميز بعدم الثبات يمكن أن يصبح عادة وعندما نعتاد عليه يمكن ان نصبح غير صادقين ثم مخادعين، وعندما يحدث هذا فإن الأمر يتطلب جهداً كبيراً لنزع الأكاذيب التي نختبئ خلفها. لكي نصبح أمناء مرة ثانية مع أنفسنا ومع الذين كنا نخدعهم وكما قال والدي مرة: "يتطلب السلام الكامل أمانة كاملة، فدعنا نكون صادقين ونقول ما نفكر به حتى ولو كان بعيداً عن الهدف، بدل استعمال الكلمات الصحيحة دون أن نعنيها. لا نستطيع أن نعيش في سلام مع الآخرين ما لم يكن الصدق في قلوبنا".

مقتطف صغير من كتاب البحث عن السلام
للمؤلف: جوان كريستوف أرنولد