|
حالة من الرعب والارتباك تسيطر علي في سيري للمجهول... مريض يخافه الناس صور عديدة رسمتها مخيلتي لذلك المريض فلعل مرضه الذي ما زال لا يرجى شفاؤه هو اكبر هواجسي، نعم إنه مريض "الايدز".
أولى مفاجآتي وأنا أتابع الموضوع أن المقابلة ستكون في فندق وليست في مستشفى كما توقعت، والمقابلة في الطابق الثالث عشر، وأثناء صعودي في المصعد بدأت أرتجف أكثر وبدأت دقات قلبي تزداد من الخوف.
ولعل المفاجأة الأعظم أن من استقبلني كان شاباً وسيماً في العقد الثالث من العمر فبادرته بالسؤال عن نضال الشاب المتعايش مع المرض منذ عشر سنوات فأجاب قائلا: أنا نضال.
انتابني شعور بالشك أن ذلك الإنسان يسخر مني وبعدها اقتادني إلى الغرفة التي يعيشون فيها ويوجد بداخلها الآخر محمود والمتعايش مع المرض منذ عشرين عاماً ومحمد المستشار القانوني لمجموعة المتعايشين مع مرض الإيدز.
وفي حديث دار بيننا تمازجت الإرادة والخوف سوياً أكدّ لنا محمود أن الإيدز هو مفهوم ارتبط لدى المجتمع بصورة نمطية لانسان عاجز يصارع الموت وقد يكون هذا المفهوم صحيحاً في بعض الحالات المصاحبة لتطور المرض وبفضل التكنولوجيا الطبية الحديثة.
اصبح تطور مراحل المرض أكثر بطئاً من السابق إلا أن الطب ما زال عاجزاً عن ايجاد الشفاء الكامل للمرض.
وتحدث نضال عن طرق انتقال عدوى المرض موضحاً أن انتشار الفيروس يكون عن طريق سوائل الجسم المختلفة ومنها الدم، السائل المنوي، الإفرازات المهبلية ولبن الأم.
يدخل فيروس (HIV) جسم الإنسان عن طريق الأغشية المخاطية (جدار المستقيم، جدار المهبل أو المناطق الداخلية في الفم والحلق (أو من خلال الاتصال المباشر بالدم الملوث)
فيروس الإيدز يخترق الجلد، إلا في حالة وجود جرح فيه وامتزاح نزيف الدم بدم ملوث وينتقل بنقل الدم للحاجة الطبية ويكون ذلك الدم ملوثا.
ويُستبعد انتشار الفيروس عن طريق الهواء من خلال العطس أو السعال، ولذلك لا يوجد خطورة في التعامل مع الاشخاص المصابين.
وفي سؤال عن مراحل المرض أجاب نضال والثقة تملأ نفسه: يبدأ المرض بمرحلة خطيرة تسمى "المرحلة الشباكية" وتستمر من اسبوعين الى ثلاثة شهر ومن الصعب اثبات احتواء الدم على فيروس "HIV" المسبب للإيدز ويمكن التبرع دونما اكتشاف المختبر عدم صلاحية الدم ويتم اعطاؤه لإنسان آخر فتنتقل العدوى له.
وتدخّل محمود واضاف: المرحلة التالية للمرض مرحلة الاصابة ويثبت فيها وجود الفيروس في الدم دون ظهور أعراض الاصابة على الجسم ويمكن ان تستمر الى 15 عاماً أو أكثر دون أدوية ويبقى الانسان طبيعياً دون ظهور اية اعراض.
وأكدّ محمود بحرقة واضحة أن الانسان المصاب (المتعايش) هو عنصر من المجتمع لكن يوجد جهل بطرق الاصابة ويحدث ذلك من بعض المتخصصين واضاف محمود اصبت بالمرض منذ عشرين عاما واتعايش معه وعمري ثمانية اعوام.
اشار محمود ان سبب اصابته بالمرض كانت بسبب معاناته من مرض "هيموفيليا" وهي عدم تجلط الدم مما احوجني لنقل الدم في احدى المرات نقل المرض الي وأنا لا أعلم. مما أدى الى معاملة سيئة من المجتمع.
وبيّن نضال أنه قد تعرض الى مواقف عديدة بسبب المرض ويذكر عندما كان في المستشفى لاجراء احدى العمليات وفي فترة تغير المناوبة للتمريض شرح الممرض للممرضة عن الحالات وعندما علمت بوضعي صرخت بصوت عالٍ قائلة ايدز من أين تأتون بهذه المصائب.
أما محمود فيستذكر مواقفاً أخرى ويذكر منها أنه عندما كان طفلاً وذهب لاحدى المستشفيات الحكومية بسبب نزيف داخلي بيده مما استوجب دخوله المستشفى تعامل بمعاملة سيئة للغاية الأمر الذي دفعه الى الخروج وقال محمود: "فضلّتُ الألم الجسدي وقلة النوم على الألم النفسي جراء المعاملة المُذلة من الكوادر الطبية".
وفي حالة أخرى ذكرها أنه عانى عندما أراد انجاب اطفال من زوجتة غير المصابة بالمرض ويوجد فرصة كبيرة لإنجاب اطفال غير مصابين ولكن للتأكد يجب غسل الحيوانات المنوية وهي مكلفة جداً.
وعرف نضال المتعايش بأنه شخص حامل لفيروس"HIV" المسبب لمرض الايدز ويسمى بذلك بعد مرور المرحلة الاولى للمرض "الشباكية" وقد يبقى متعايشاً أكثر من 15 عاماً دون ظهور أية أعراض على جسمه ولا يخفى وضعه النفسي وعدم قدرته على التصرف كانسان طبيعي.
وأشار محمود أن فكرة المتعايشين نشأت خلال اللقاء الذي ضمنّا في مركز المشورة والفحص الطوعي التابع لوزارة الصحة وقررنا الخروج كمجموعة من المتعايشين للتوعية بمرض الإيدز والحد من خطورته.
وأضاف نضال "نسعى من خلال المجموعة حل القضايا التي تخصنا ولعل قضيتنا الأساسية تكمن في الوصمة والتمييز والرفض والنبذ من الأهل بداية مرورا بالكوادر الطبية وأرباب العمل والمدارس بالنسبة للأطفال المتعايشين وصولا الى المجتمع بأسره".
تابع محمود أن حالة الرفض المتوقع أن يلقاها المتعايش في المجتمع المحيط تسبب له حالة من الاحباط والاكتئاب وتتحول لدى بعض المتعايشين الى سلوك عدواني غير مرغوب فيه ويعد الانضمام لمجموعة المتعايشين مساعدة في توحيد الجهود لمكافحة المرض واضاف قائلا: "نحن نتمنى في الأردن أن يكون المتعايشين فاعلين لكي نكافح الايدز مع الأصحاء ولا نضيف حالات جديدة".
وأشار محمود إن اعلان المتعايشين عن اصابتهم يساعد على الاطلاع على المعلومات الصحيحة للتعامل مع اصابتهم حتى لايؤذوا أنفسهم ولا يلحقوا الضرر بقصد أو بدون قصد بمن حولهم وبمجتمعهم.
ويتحدث محمد المستشار القانوني للمجموعة عن الحقوق القانونية لهم قائلاً :"المتعايشين هم جزء لا يتجزأ من المجتمع وهم بشر طبيعيين".
وتمنى أن لا يصاب أحد بمرضهم ولا يجوز الحد من حقوقهم وتجاوزها من قبل المجتمع وذلك لعدم وجود تشريع بشري أو كوني يجيز معاقبة أي انسان بسبب مرضه أيا كان هذا المرض.
ونسعى لايجاد مساواة كاملة بين المتعايشين والأصحاء في العمل والتعليم والعلاج انطلاقا من أن حقوقهم الحياتية كفلها الدستور.
وكل الناس أمام القانون سواء و نقطع الطريق على النفسيات المريضة التي تحاول أن تؤذيهم وتؤذي مجتمعنا العزيز ووطننا الغالي.
وفي الختام قال محمود "تقبلونا فنحن جزء منكم ويداً بيد نستطيع مكافحة المرض ويكون مجتمعنا سيلماً ومعافا ً".
وبعث نضال عبر الملحق رسالتين الأولى للكادر الطبي: "من حقي العلاج بشكل طبيعي وبعد أعلاني عن حالتي الصحية ولا يعقل أن تقبلوا العذاب لنا".
والثانية لأرباب العمل فقال لهم "أنتم تحولوني في حالة الرفض الى عالة على المجتمع واحتاج من يعيلني وأريد أن أعيل نفسي بنفسي ولن تصابوا بمرضي بالمعايشة اليومية فساعدوني لأكون انسانا فاعلاً في المجتمع".
محمد عاطف خمايسة
|