اضف تعليق حفظ المقال أرسل الموضوع لصديق | طباعة الموضوع

لطالما كنت أشعر أني مختلفة عن (الباقين)، من أي ناحية وكيف؟ لم أكن أعلم، ولكني كنت أشعر بذلك دائماً.
كل شيء فيّ مختلف، في الوقت الذي كنّ بنات الصف في المرحلة الابتدائية يلعبن سوية لعبة (بيت بيوت) هكذا نسميها في بلدي وهي أن تذهب كل واحدة في بيت الأخرى لتشرب الشاي في الابريق البلاستيكي المخصص للألعاب والأكواب البلاستيكية الصغيرة لتعزم صديقاتها عندها في بيتها... كنت أنا ألعب كورة مع الأولاد.
في الوقت الذي كانت فيه فتيات الصف يلعبنّ ويضحكن بكل براءة كنت أفكر بكل شيء فيه جنس.
أحيانا كنت اسأل صديقاتي في الإبتدائية ولا أذكر أبداً التفاصيل ولكنّي أذكر جيداً أني كنت أحياناً اسألهن أسئلة جنسية وأجدهم يا إما لا يفهموني أو يقولون لي: لا لم يحدث ذلك معنا، وبعد الإجابة السريعة لي يعدنّ للعب بدون أن يفهموا أو يفكروا لماذا اسأل هذا السؤال؟
كنت أسألهم مثلاً: هل اخوكِ نام عليكِ البارحة؟ وكنت أسأل الكثير من هذه الأسئلة ودائما كان الجواب (لا)، فعلمت أن هناك شيء ما يحدث لي أنا فقط دون الباقين وبأنني أختلف عنهم جميعاً في ذلك.
في الوقت الذي كانت فيه فتيات الصف في الإبتدائية يُجدن الدراسة وحل الواجبات المنزلية وتتباهين كل واحدة بدفترها المكتوب (بخط جميل ومرتب وملون) وتستطيعن أن ترد على المعلمة في أي وقت وفي أي لحظة، كنت لا أعرف ماذا يحدث داخل الصف ولا أستطيع أن أركّز على كلام أي أحد.
كنت دائماً أشعر أنني وحدي في الصف وشاردة الذهن، لا أفهم الدرس ولا أفهم مايدور داخل الصف كل الذي كنت أعرفه بأني أشعر بخجل شديد من نفسي لأن (الكل) كان يعرف ويفهم ماتشرحه المعلمة إلا انا، فيضحك البعض والبعض الآخر (يتهامس) حول غبائي وعدم فهمي.
في الوقت الذي كانت تتحدث فيه الفتيات عن (بابا اللي وداهم يوم امس وطِلع معاهم) و(بابا اللي يلعب معهن في البيت) و(بابا اللي يوديهم ويشتري لهم) و(بابا اللي يحب ماما) كنت أنا أبقى صامتة تماماً لأني لا أعرف بماذا اشارك؟ وعن ماذا احكي؟
هل أتكلم عن (بابا الذي لا أراه ابدً)؟ أم أُكلمهن عن ( بابا الذي يتثاقل من مسؤولية البيت)؟ أم عن (بابا اللي عمري لم اراه يضحك إلا نادراً وكمجاملة لأحد الاصدقاء)؟
أم عن (بابا الذي في عمره لم يلعب معي) أم عن (بابا الذي لم يحضني أبداً إلا مرة واحدة في آخر يوم رأيته فيه قبل أن يتوفى)؟ عن ماذا اتكلم؟
كطفلة لم أكن أفهم مامعنى المقارنة ولم أكن أفهم ماذا يعني أن شيء عند فلان وشيء ليس عندي ولكني كنت اشعر وافهم بشكل واضح الاختلاف بيني وبين من هم في مثل سني .
في الوقت الذي كانت فيه فتيات الصف يتحدثنّ عن (ماما التي تلعب معهن في البيت) و(ماما التي تعد لهنّ الأكل في الصباح والسندويتشات التي يجلبنها معهن إلى المدرسة) و(ماما التي تحل معهن الواجبات المنزلية وتساعدهن فيها) و(ماما التي تقبلهن دائماً وتدعوا لهن بالتوفيق) أنا كنت أبقى صامتة أيضاً لأني لم أجد ماأحكي عنه أبداً فكل شيء في أمي مختلف عن ما يتحدثن به بنات الصف، وفي ذلك العمر لا أعتقد أني كنت أستطيع أن أخالف المجموعة التي كانت كلها تشترك بهذا الحديث وبنفس الموضوع... سأكون أنا الوحيدة المختلفة عن ذلك فلم يكن لي الا خيارين: الأول أن احترم نفسي وأسكت والثاني أن أكذب وأتكلم نفس كلامهم ولكن عن نفسي فقط.  يعني اقتبس من كلامهم والصقه في قصة مشابها عني حتى (لا يرفضني أحد)  فأصلاً أنا كنت مرفوضة من بنات الصف بما فيه الكفاية ولم اكن احتمل مزيد من الرفض.
في كل شيء كنت اختلف، أبدا لم اشعر ولا يوم بأني طفلة برئية ونظيفة ونقية كبقية البنات، من كل النواحي أنا سيئة وفاشلة في الدراسة وفي الكلام وفي عمل صداقات مع البنات وفي اللعب معهم... لم أنجح إلا مع الأولاد فلم يكونوا يهتموا بالترتيب أو بالعلامات الجيدة لم يكن يهمهم إلا لعب الكورة التي دربت نفسي عليها غصباً عني حتى أتميز في اللعب بها وذلك لأجد لي مكان ما داخل الصف مع مجموعة من الاصدقاء الذين يقبلوني معهم.
كبرت ووصلت إلى المرحلة الإعدادية فاختلف الوضع قليلاً، كل من حولي كانوا بنات فقط، لقد وجدت نفسي أفهم نفسي أكثر وأفهم من حولي أكثر من الإبتدائي ولكن لازمني شعور الإختلاف دائماً، فبدأت أفهم أني أتعرض بشكل شبه يومي الى اعتداء جنسي من أخي الكبير لي وبدأت أفهم أن هذا لا يجوز أن يحدث وهو ليس طبيعي، بدأت افهم ذلك جداً ولكن لم يكن بيدي شيء لأغير هذا الواقع فهو أصبح جزء من حياتي وتعوّدت أن لا أقاوم ففي اليوم الذي اعترض فيه أو أحاول ان أبعده عني لم يكن يجيني غير الضرب والشد من الشعر فعوّدت نفسي أن أقبل بالخسارة دائماً يعني (الاستسلام لكل شيء سيء يحدث لي) لأني أعرف أني دائماً سأخسر.
خلصت أيام الإعدادي وخلصت أيام الثانوي والجامعة.
 سافرت وتركت بلدي وتغرّبت عنه وأصبحت موظفة وأعمل وانتهى كل شيء ماضي وبقي خلفي ولم ادر ظهري له في أي يوم من الأيام.
مضى بي الزمن ووجدت نفسي مسؤولة عن معيشتي وعن شق طريقي في الحياة القاسية التي كشفت لي عن وجهها القبيح بعد أن توفي والدي وبدأت أتحمل المسؤليات التي يتحملها كل من هم في سني. كل شيء أصبح عادي وحالي كأي بشر في الدنيا، إلا شيء واحد مازال في داخلي، بقي ولم يتغير وهو شعوري بأني أختلف.
أحيانا أنظر لمن هم في سنّي وأشعر بأني أصغر منهم جميعاً، أشعر بأني لم استوعب بعد عالم الكبار ابداً في داخلي. فأنا لا انتمي لعالم العمل والتفاوض مع الشركات والتعاقد مع المؤسسات لجلب المعدات والأجهزة الكهربائية.
لما انظر لبنت عمرها 12 سنة أحس أنها اكبر مني بكثير وأشعر بداخلي أني ضعيفة أمامها لأنها أكبر مني علماً أن عمري هو 26 سنة، أخاف منها وأشعر بأنها سترى صِغَري وستضحك على عقلي...
أنا أريد أن ألعب ولو تتوفر لي فرصة أن أرسم بدفاتر التلوين اللي فيها الشخصيات الكارتونية اللي كنا نشوفها في التلفزيون وألعب بالصلصال الملون (المعجون أو الـplay dough)، لو توفرت لي هذه الفرص لم أكن لأتردد للحظة واحدة.
 أشعر في داخلي أن عمري 6 سنوات ليس أكثر، أقول وأكتب هذه الكلمات مترددة لأن لا يفسرها البعض (دلع) أو (كلام فاضي) ولكن صدقوني أنا أشعر أن عمري 6 سنوات بجسم كبير وعقل مدرك وفاهم  لكل شيء، ولكني أحس بأن الكل أكبر مني في العمر، عالم الكبار لا أعرف عنه أي شيء ولا أفهمه، أنا فقط أعمل وأفعل مايجب على واحدة في (عمري) وفي (تفكيري) أن تفعله ولكن ليس هذا ماأشعر بأني أنتمي له أبداً.
في نفس هذا الوقت الذي أشعر به بذلك، أحيانا لما اجلس مع من هم في عمري وأراهم يضحكن أو (يستهبلوا) كشابات اعتيادات في هذا العمر كإطلاق نكت معينة أو التحدث عن مواضيع تهمهم في هذا السن كالتحدث عن موديلات الملابس أو الذهاب للتسوق في إحدى المولات او... الخ، أشعر بأنهم جميعاً أصغر مني وأحس بأني أكبر منهم ب 40 سنة لا استطيع أن أفعل مثلهم أو أضحك مثلهم او استهبل معهم أشعر بأن كل ذلك كلام فاضي وليس لعمري وأشعر أني جدية أكثر من اللازم بكثير ولهذا أنا غالباً ما أجلس وحدي وأنعزل عن الكل فأشعر بأني لا أنتمي لهم أبداً.
ومنها أنا دائماً أحس بأني ضائعة لا أنا اللي أنتمي لعالم الاطفال لأن عقلي وجسمي وسنّي هو للكبار ولا أنا اللي أنتمي لعالم الكبار (اللي في عمري) لأن ماشفته في حياتي وماتعرضت له من حروب ومن قساوة أحاطت بي من كل الجهات ومن اساءات واعتداءات يخليني أحس أني أكبر بكثير من اللي في عمري من الشباب والشابات فلا أنا هنا ولا أنا هناك.
هل هذا فقط معي؟ هل هناك أحد يشعر بنفس ما أشعر؟ أم أنا الوحيدة التي تختلف؟

A girl still breathing