|
العبور إلى الأنوثة وموافقة المجتمع
متى تخرج البنت من حجرة الطفولة إلى ساحة الأنوثة، وكيف تتعامل مع أشيائها الخاصة جداً البريئة، وهل من حقها استبدالها بأشياء «أكبر» عمراً وأوسع مفهوماً، وأكثر دلالة على أنها «كبرت»؟
منذ ٣ أعوام، قدم محمد حماد فيلمه الأول «سنترال» الذى صَدم به صنّاع السينما قبل الجمهور بحواره «الواقعى» الحقيقى دون أي تهذيب، فالشخصيات تتحدث بشكل طبيعي، بمفرداتها الحقيقية، ووصف كل شىء باسمه دون أي تجميل، وكأنه قرر نزع ورقة «العيب» الفنية التي تُغلف كل أعمالنا، لأنه لا توجد حياة دون شتائم، ولا يوجد مجتمع يتحدث سراً أو ينفعل بأدب، فكان الحوار هو البطل الذي خطف الأضواء وأثار الضجة «السطحية»، بل وتسبب فى رفض أكثر من مكان"قافي" عرض الفيلم، رغم أن موضوع الفيلم كان أولى بالنقاش لأهميته الشديدة.
فى «أحمر باهت»، تنبه حماد إلى هذه الأزمة، فاستغنى عن الحوار الصادم، وركز على الحدوتة والمشاعر فى موضوع يخص شريحة لا يمكن حصرها تسمى "بنات ثانوي" عندما يعبرن من «فانلات» الطفولة البيضاء إلى «أطقم» الأنوثة الملونة، فتربية البنات فى مصر ثوب منسوج بخيوط «العيب» و«الحرام»، أصبح مع الزمن، درعاً حديدياً يكتم على أنفاسهن ويسلبهن أبسط حقوقهن ومنها «استبدال الملابس الداخلية الطفولية المنقوش عليها لعب وميكى ماوس بملابس زاهية نسائية» رغم أنها شيء داخلي لن يراه الناس، لكن الفيلم ضغط على «دمل» الممنوعات.
وجعل الجدة تجبر البنت على غسل الأطقم الداخلية الجديدة بـ«الكلور» حتى تبهت لأنه لا يجوز أن تنشر ملابس زاهية على منشر منزل تسكنه مراهقة وجدة عجوز «الناس يقولوا إيه»، فتضطر البنت لتنفيذ «القرار» الذي لا يبهت من كثرة استعماله فى البيوت، وتقف أمام «الغسالة» وروحها وعقلها يدوران مع لفاتها، وكلما بهت اللون الأحمر «الوقح»، ازدادت حدة لون سخرية زميلاتها من ملابسها الداخلية، ولمع سواد الحزن داخلها، وضياع النقود التى ادخرتها ودفعتها ثمنا للـ«بتوع» الجدد، خاصة أن «الحوالة» التى تعينها وجدتها على الحياة لم تصل بعد.
فى ١٥ دقيقة بصرية، دخل حماد بكاميرته بنعومة بين مشاعر وخصوصية البنت، واقتصد فى الحوار ليفسح مجالا سينمائيا للتفاصيل التي تحكي أكثر من الكلمات والأهم، أنه لم يستخدم لفظاً واحداً خارجاً، رغم أن الملابس الداخلية تنطق بأسمائها فى البيوت المصرية، وقدم مشاهد تعد نموذجاً لتوظيف أدوات الإخراج في خدمة الموضوع، خاصة مشهدّي البنت وهي تنشر الغسيل، وعبورها شريط الترام.
(أحمر باهت)، قصة الشيماء أحمد، سيناريو وحوار محمود فرج، منتج فني آية الكردى، مدير تصوير محمد الشرقاوى، مخرج منفذ وائل الجندى، تدريب ممثل تامر عبدالحميد، مهندس صوت مهاب عز، موسيقى تصويرية شريف الوسيمى، تنسيق مناظر سارة حماد، بطولة جيداء ونهى فؤاد وبسنت جمال ونجوى إبراهيم.
المصري اليوم
|